بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢١٨

ولو لم يسمعه من أحد، فإذا خطر بباله شيء من ذلك، أو سمع بذكره، أو نظره من أثر أو تأدى إليه علمه بوجه من الوجوه، فعليه معرفة الحق من ذلك، ولا يسعه الشك في ذلك، ولا الوقوف فيه، ولا يعذر بالدينونة بالسؤال عنه، ولا باعتقاد السؤال عنه بغير دينونة.

وإنما ينفعه العلم وحده، فما لم يعلم فهو هالك منقطع العذر، لأن الحجة قد قامت عليه بذلك من عقله، فليس له أن يترك الحجة في ذلك، وعقله عليه حجة.

وسواء اختلف العلماء في ذلك، أو لم يختلفوا، فليس ينفعه إلا العلم وحده، وعليه معرفته، وقبول قول من غيره وتصديقه، كان عالما أو مشركا، كان وليا لله أو عدوا له، وحجة الله تقوم بأعدائه فيما جعلهم الله حجة فيه، كما تقوم بأوليائه.

فانظر في هذا الشيء الخفي، كيف يهلك الخاطر بفعله ذلك، وكيف ينقطع عذره بذلك من عقله، ويكون محجوجا عند الله، وهكذا دين الله، وكله دقيق خفي على من جهله، وكله واضح بين عند من علمه، والدين يسر، ولكن في الجهل أبواب عسر، وحجة الله قائمة على من جهلها، كقيامها على من علمها، لا عذر في تركها ولا في ما مخالفتها بعد قيامها، خالفها غيرها أو لم يخالفها، فالمحق وحده حجة فيما هو حجة فيه، ولو خالفه جميع العلماء، فافهم هذا.

فإذا اختلفت العلماء في شيء مما تقوم به الحجة من العقل، فعليه معرفة الحق في ذلك الشيء، وعليه معرفة الحق من أولئك العلماء المختلفين فيه، وعليه معرفة المبطل من العلماء من أولئك المختلفين فيه، وعليه أن يشهد للعلماء المحقين أنهم محقون، ويشهد على العلماء المبطلين أنهم مبطلون، ولا عذر له في الشك في شيء من ذلك.

هكذا عندي أنه قد قيل: إن الحجة تقوم عليه في ذلك من عقله،

١٬٣٣٦ / ٤٬٣٨٩