بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٣٨

مقالا فليأت بما يصحح به أصله، ويعدل عمن يقول ما ليس له أصل، ويأت بالكلام الذي يدخل على ما ذكرنا، ويترك الحمية والعصبية، فإن ذلك أجمل وأوجب ولولا أن يذكر الأمر عليك، لأتينا على ما وصف مذهب الملحدة، ولطالبنا بزيادات القوم في الصفات، وكنا نرى ما يوجب التماثل بين كثير من الملحدين والنافين للصفات، ولكن يكثر، وليس هذا موضعه، وفيما ذكرنا بيان شاف إن شاء الله.

ثم قال صاحب الجواب: وإن قالوا: يعني إن قلنا، فعل نفسه كان ذلك محالاً، فنحن لم نقل إن القرآن مفعول محدث مخلوق فيكون هذا الذي ذكرناه داخلا فيما بين خلقه، وقد لنا فيما بيننا من كلام الله أنه غير مخلوق ولا محدث ولا مربوب، ويتعالى ربنا أن تكون صفات ذاته مخلوقة، فإن اشتغالنا بهذا الوجه لا معنى له، لأني لا أعرف أن أحداً قال إن الشيء يفعل بنفسه فهذا كلام ساقط(1).

ثم قال: فإن قلنا إنه فعل نفسه، وهو موجود في وجود نفسه

(1) من العجب أن ينكر أحد من المسلمين كون القرآن مفعولا لله، وهو سبحانه الذي أنزله قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقال: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾،وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، وهو تعالى الذي فصله فقد قال: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾، وقال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، وهو الذي جعله عربيا، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ وهل الإنزال والتفصيل والجعل إلا أفعال من الله واقعة بالقرآن، فكيف ينكر صاحب المقال أن يكون القرآن مفعولا لله؟ وفي هذا ما يكفي دليلا للعاقل على أن القرآن غير الله فإنه يستحيل أن يكون أنزله وفصله وجعله عربيا هو عين ذاته كما يستلزمه كلام صاحب المقال الذي يقرر أن القرآن من صفات الذات ويقرر أن صفات الذات هي عين الذات كما تقدم هذا وفي انقسام القرآن إلى محكم ومتشابه ومفصل ومجمل وناسخ ومنسوخ دليل على تغايره وكفى بتغايره دليلا على خلقه فإن المحكم غير المتشابه، والمجمل غير المفصل، والناسخ غير المنسوخ.

١٣٧ / ٤٬٣٨٩