بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٤٧

وجل: * (*إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً*) * أن يكون مخلوقا، فإن لم يكن معنى مخلوق، فإنه أراد به الحكم والتسمية له بلسان عربي، لا أنه مخلوق.

ويقال لهم: ألم يقل(1) الله عز وجل: * (*وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً*) *(2) أخلقوا الملائكة أم جعلوهم بنات؟ أو بمعنى سموا لا أنهم خلقوا؟ فإن كانوا خلقوا فخلقوا الملائكة، وخلقوا بنات الله، ويقال لهم: قد يكون الجعل بمعنى الحكم، وقد يكون بمعنى الاسم، فأما الحكم مثل قوله: * (*يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ*) *(3) أي حكمنا أن تكون خليفة في الأرض، لأن داود قبل أن جُعل خليفة مخلوق مجعول.

وقد يكون بالاسم مثل ما أخبر أن الكفار جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، وقد يكون معنى البيان بالوضوح، كما قال: * (*وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا*) * وتكون بمعنى الحدث، مثل ما سأل إبراهيم صلوات الله عليه ربه: * (*رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ*) *(4) له ولابنه فيسأل الله عز وجل، وهذا لا يقول به المخالف لأن عنده أن الله لا لخلق إسلام إبراهيم وولده ولا لأحد.

فإذا تبين معنى الجعل وليس يدل على خلق الشيء في كل موضع، فلم حكمتم بخلق القرآن لقوله: * (*إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً*) *؟ دون أن يكون سماه وحكم ويسّر وأفهم عبارته بعربية، ولا يكون ذلك دليلا على خلقه، ولا على حدثه، وليس إذا قال، إني جعلت

(1) في الأصل: "ويقال لهم أليس قال".

(2) من الآية 19 من سورة الزخرف.

(3) من الآية 26 من سورة ص.

(4) من الآية 128 من سورة البقرة.

١٤٦ / ٤٬٣٨٩