بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الثامن

الجزء ٨ · صفحة ١٠٥

أو أصبعين لم يجزئه، فالذي يوجبه النظر إجازة ذلك لأنه مأمور بالمسح، فإذا مسح بما يقع عليه اسم ماسح فقد خرج مما أمر به، وحصل ماسحا والله أعلم، إذ ليس في الخبر المسح بالكف ولا بأكثر، فإن كان عنده أن المسح لا يجوز إلا بالكف فإجازته بأكثر الكف أو بثلاث أصابع من الكف، وإن كان الأمر بالمسح ليس فيه تحديد لمراعاته اسم المسح وجود الاسم الذي علق به ذكر المسح وبالله التوفيق.

ومن الكتاب: وأما قوله: وبلغنا عن أبي عبيدة عن جابر أنه توضأ قال: ولا أحسب إلا أنه ذكر أن عليه كمةً أو عمامةً، قال: فأخر الكمة أو العمامة عن رأسه وأخذ بإحدى يديه ثم مسح مقدم رأسه ثم أعاد العمامة أو القلنسوة، وقد بينا هذا فيما تقدم وشرحناه بما انتهى إلينا من الخبر فيه.

مسألة: ومن جامع أبي محمد: ومسح جميع الرأس واجب في الطهارة عند بعض أصحابنا، والنظر عندي يوجبه، والحجة لمن ذهب إلى هذا الرأي قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج:29)، فأفاد بهذه الآية أن الطواف بالبيت العتيق جميع البيت.

وكذلك قوله في التيمم: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾، إنه جميع الوجه باتفاق الأمة، فهذان دليلان لأصحاب هذا الرأي.

وقال أكثر أصحابنا: إن مسح الرأس من مقدمه يجزي للماسح، والحجة لهم على ما روي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح بناصيته، والناصية بعض الرأس وهو مقدمه.

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح بعض رأسه، ففي هذين الخبرين مع أصحاب الحديث ضعيف، ولهم دليل آخر أن الماء المذكور يقع على الكل وعلى البعض في اللغة، فإن العرب تسمي البعض باسم الكل، كقوله عز وجل: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأحقاف:25)، ولم تدمر الكل، وكذلك يسمى بعض الماء باسم الماء، ويسمى بعض النار، ولأصحاب هذا الرأي أيضا أدلة غير هذا كثيرة، منها قول القائل: مسحت يدي بالمنديل لا يريد الكل، وكذلك مسحت يدي بالأرض معقول لأنه يريد الكل، ومسحت رأس اليتيم بيدي لا يريد كل الرأس، ونحو هذا والله الموفق للصواب.

ومن الكتاب: وتنازع الناس في مسح الرأس فقال قوم: يمسح جميعه، وقال آخرون: الربع، وقال آخرون: الثلث، وقال آخرون: بالناصية، وقال

٢٬٤٥٢ / ٤٬٣٨٩