بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٥١

فصل

من جامع أبي محمد

النسخ لا يقع إلا في الأمر والنهي، ولن يجوز ذلك في الخبر، لأنه ليس يجوز أن يقول الصادق جل ذكره أن يكون كذا أو كذا، ثم ينسخ ذلك أن يقول: إنه لا يكون، أو يقول إنه لا يكون، ثم يقول: إنه يكون، وكذلك في الماضي هذا هو الكذب والله يتعالى عنه علوا كبيرا.

وقد اختلف الناس في هذا الباب على وجوه، فقال قوم: إن المنسوخ ما رفع تلاوته وتنزيله، كما رفع العمل به، وقال آخرون: إن النسخ لا يقع على قرآن قد نزل وتلي، وحكم بتأويله النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن النسخ ما أنزل الله في حكمه من التفسير الذي أراح عنهم ما قد يجوز أن يمتحنهم به من الأمور الشديدة والأمور العظام، التي تعبد بها من كان قبلهم من الأمم، وهرب هؤلاء من أن يقولوا إن الله جل ذكره ينسخ شيئا بعد نزوله وبعد أن عمل به المؤمنون عن ربهم بحضرة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وزعموا أن من وصف الله بذلك فقد أخطأ.

وقال آخرون: إنما الناسخ والمنسوخ هو أن الله جل ذكره نسخ القرآن من اللوح المحفوظ، الذي هو أم الكتاب، والنسخ لا يكون إلا من أصل.

وقال آخرون: بل يجوز أن ينسخ قرآنا أنزله بأن يبدل آية أخرى كضد ما أنزلت به الأولى فتتلى الأولى كما كانت تتلى، ويكون العمل على الأخرى، وقد يجوز أن الله يرفع تلاوة الأولى كما رفع العمل بها، واختلفوا في وجه آخر فقال قوم: لا ينسخ منه القرآن إلا بقرآن مثله، واحتجوا بقول الله تعالى: * (* مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ

٢٤٩ / ٤٬٣٨٩