بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٥٤

وقال قوم ممن لا يلتفت إلى قولهم إلا أنهم على حال ينسبون إلى أهل القبلة أن الأئمة المنصوص عليها زعموا مفوض إليها نسخ القرآن وتبديله ويجاوز عن بعض هؤلاء حتى أفرطوا وخرجوا من الدين أن النسخ يجوز على سبيل الندا وهو أن يأمر الله بالشيء وهو لا يريده في وقت أمره أن يغيره ولا يبدله، ثم يبدو له فيغير ذلك ويبدله وينسخه، جل ذكره وتعالى عما قالوا، وعندهم أنه لا يعلم الشيء حتى يكون إلا ما يقدره فيعلمه على تقديره.

وزعم قوم ممن يدعون علم القرآن أنما أنزل بالمدينة ناسخاً لما أنزل بمكة وهذا غلط عندي لما ذكروا أن النسخ لا يكون إلا في الأمر والنهي، لأنه قد يجوز أن يكون قد نزل بمكة نسخ ما قد تقدمه في النزول بها، وكذلك القول فيما نزل بالمدينة، فمن الحجة على من أبطل النسخ وأفسده ورأي أن القول به كالقول بالندا ما وجدنا من أفعال الله جل ذكره، وهو أن يحي الإنسان ما كانت الحياة أصلح له في التدبير، ثم يميته ويصحه ما دامت الصحة أصوب له في تدبيره تعالى، ومن الحجة عليهم أيضاً اختلاف شرائع الأنبياء، صلوات الله عليهم، في الأحكام، لا في التوحيد والوعد والوعيد، ونسخ بعضها لبعض، فإن أنكر ذلك منكر وزعم أن شرائع الأنبياء صلوات الله عليهم كانت متفقة، وأن شيئاً منها لم ينسخ ما تقدمه، فالحجة عليه قول الله عز وجل، حكاية عن المسيح صلى الله عليه وسلم حيث يقول: ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، بتحريم صيد السمك في يوم السبت، على من حرم ذلك، وتحليل ذلك لنا، وبالكف عن العمل يوم السبت وما أمر به بنو إسرائيل من ذلك، وإباحته لنا، ودليل آخر وهو قول الله تعالى: * (*فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ

٢٥٢ / ٤٬٣٨٩