بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٤

وقال: قوله عز وجل: * (*وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ*) * عموم * (*وَحَرَّمَ الرِّبَا*) * خاص، وهو ما أخرجه من جملة المباح من البيع بالسنة، يقال لهم: لو كان قوله عز وجل: * (*وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ*) * يبيح التفاضل في كل عقد إلا ما خصته السنة لوجب أن يكون قوله تعالى: * (*وَحَرَّمَ الرِّبَا*) * مانعاً من التفاضل لتساوي الظاهرين ووجودهما معاً في سياق واحد ونسق واحد، بل الواجب أن يكون الاستدلال بتحريم ثمن الربا على تحريم التفاضل أصح وأولى في الاستدلال على إباحة التفاضل بإباحة البيع، لأن الربا في اللغة هو الزيادة والفضل(1) في الجنس الواحد(2) وبالله التوفيق.

وأحد أصولهم التي جرى الاختلاف بينهم فيها، هو أن الله جل ذكره لما حرم بيع البر بالبر إلا مثلا بمثل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وجب عند القائسين تحريم بيع الأرز إلا مثلا بمثل، لأن الأرز معهم في معنى البر، ثم هم مع ذلك مختلفون في العلة التي من أجلها صار الأرز مقيساً على البر فقال بعضهم: هما متفقان من أجل أنهما مأكولان، وقال بعضهم: لا بل لأنهما مكيلان، وقال بعضهم: لا، بل لأنهما مكيلان مأكولان، (وقال بعضهم: لا، بل لأنهما مقتاتان مدخران)(3)، وقال بعضهم: بل، بل لأنهما يزكيان فكلٌّ جعل علة الربا أحد هذه المعاني الذي اعتمد عليها.

فمن ذهب لأن العلة في الربا إنما هو الاقتيات والادخار واحتج لذلك بأن قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر أجناساً مقتاتة مدخرة وخصها بالذكر، فذكر أعلى ما يقتات منها وهو البر، وأدون ذلك وهو الملح، الذي يدخرونه لإصلاح أقواتهم، والانتفاع به في أغذيتهم، علم

(1) في نسخة "زيادة الفضل".

(2) كلمة "الواحد" ساقطة في بعض الأصول.

(3) ما بين القوسين من إحدى النسخ.

٣٤ / ٤٬٣٨٩