بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٦

الجنسان فبيعوا كيف شئتم» وهذا الخبر إن كان صحيحا -تأويل- وبالله التوفيق، لأن آية الربا توجب حكماً في الظاهر، وهذا الخبر يوجب ظاهره حكماً غيره ولا يخلو هذا الخبر من أن يكون متقدماً للآية أو يكون معها أو يكون بعدها.

فإن كان الخبر مع الآية فهو بيان لها أو استثناء لبعض ما خص من جملتها، وإن كان بعدها فهو ناسخ لبعضها، فقد ورد لتخصيص بعضها أو مبيناً لفرضها أو ناسخ لها وإن كان قبلها اعتوره معنيان: أحدهما أ، يكون منسوخاً بها، والآخر أن تكون مرتبة عليه فتكون جارية على عمومها، لأن فيها صحة الخبر، إلا فيما خصه الخبر من جملتها(1).

والنظر يوجب عندي أن يكون علة ما يكال في المكيل وعلى ما يوزن في الموزون، لأن الخبر قد ورد بذكر ما يكال وما يوزن، إلا أن يمنع من ذلك خبر مسلَّم أو اتفاق من الأمة، والله أعلم.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ابتاع بعيرا عن بعيرين، وروي أنه أجاز عبدا بعبدين، وهذا اتفاق منهم لأنه يد بيد، وأجاز أبو حنيفة تمرة بتمرتين وفلساً بفلسين وحبة بحبتين، وأجاز الشافعي

(1) حديث" إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم" حديث صحيح أخرجه الإمام الربيع رحمه الله، عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهم، وتمامه: "إلا ما نهيتكم عنه" وله شاهد من حديث عبادة وأنس رضي الله عنهما عند الدار قطني وليس بينه وبين الآية تعارض حتى يقال بنسخه لها إن كان متأخرا عنها وبنسخها له إن كان متقدما عليها، وإنما غاية ما فيه إباحة البيع مع التفاضل، ولو في النسيئة إذا لم يتحد المبيع وثمنه في الجنس، وأي تعارض بين هذا المدلول ومدلول الآية حتى يقال إن أحدهما ناسخ للآخر، على أنه لو ثبت التعارض وكان الحديث متأخراً لما صح اعتباره ناسخا للآية، لأن روايته آحادية، والآحادي لا يقوى على نسخ المتواتر عند المحققين من الأصوليين والفقهاء، وبهذا يتضح أن جميع الوجوه المذكورة في الأصل مع الاحتمالات لا عبرة بها، اللهم إلا أن يجعل الحديث من ضمن ما جاء في بيان الآية، ولا غرو في بيان المفصل الآحادي للمجمل المتواتر. والله أعلم.

٣٦ / ٤٬٣٨٩