الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٧وقد قاس بعض العلماء -ولعله ابن بركة- جواز أخذ العناء على تغسيل الميت ودفنه لمن كان يشغله ذلك عن الكسب لقوته وقوت عياله، على جواز أخذ العناء على الذهاب لأداء الشهادة من المشهود له، إذا كان ذلك يشغله عن ضرورة معيشته، وسئل أبو محمد عن القياس فقال إنما القياس أن يقال الفرع على الأصل وذلك مثل قول الله تبارك وتعالى: * (*وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً*) *(1) وكان من القياس عليه جلد قاذف المحصن من الرجال، لاستواء العلة في ذلك.
وكذلك جاءت السنة من أعتق حصة من عبد له فيه شركاء أعتق العبد كله وكان من القياس عليه لاستواء العلة عتق الأمة إذا أعتق الرجل نصيبا له من أمة، وله فيها شركاء عتقت كلها، وكذلك جاءت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة مست فرجها وهي متوضئة أنها تعيد طهرها، وكان من القياس عليه لاستواء العلة إذا مس الرجل فرجه أن يعيد وضوءه(2)، وكذلك القياس والاختلاف في سؤر الفأر من وجهين اختلفوا فيه، منهم من ذهب إلى أن الفأر من السباع، وجعل سؤره
(1) من الآية الرابعة من سورة النور.
(2) وجوب الوضوء إن مس الرجل فرجه ثابت بالسنة لا بالقياس فقد روى الإمام الربيع بإسناده عن بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ» ولعل القائسين لم يعولوا على الحديث نظرا إلى أن نواقض الوضوء مما تعم به البلوى، والمفروض في مثل ذلك أن ينقل بالتواتر أو الاستفاضة وألا يكتفي بنقل الواحد لا سيما إذا كان لا يعنيه، كبسرة في هذا الحديث فإنها امرأة، لا يعنيها انتقاض وضوء الرجل من مسه ذكره، فكيف يفوت الحديث الرجال وتحفظه هي؟ غير أن عدالة الراوي إذا ثبتت توجب قبول روايته من غير التفات إلى مثل هذه الهواجس، اللهم إلا أن تدل القرائن على وهمه واعتضاد الرواية هنا بالقياس إنما يزيدها قوة ويؤكد مدلولها مفهوم المخالفة من الحديث الذي أخرجه الربيع عن أبي عبيدة عن ضمام بن السائب قال: بلغني عن ابن عباس، يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على من مس عجم الذنب وضوء، ولا على من مس موضع الاستحداد وضوء» فإنه يفيد أن من مس أسفلهما انتقض وضوؤه. والله أعلم.