الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٧٢وأما من خالف الدين بفتيا أو حكم بما لا يسعه ولا يعذر فيه، فمعنى أن عليه الخروج في طلب المخرج مما يلزمه من إعلام ذلك ومن ضمانه إذا قدر على الخروج، كما يقدر من وجب عليه الحج من صحة البدن وأمان الطريق والزاد والراحلة.
وأما ضمان المفتي إذا خالف الحق الذي لا يعذر فيه من عالم أو ضعيف، فأصاب شيئا من إتلاف مال أو شيئا يتعلق على فعل ذلك ضمان بإتلافه له، فعندي أنه قد قيل ليس على العالم في ذلك ضمان في خطئه الذي يعذر به مما وصفناه، أو ما يشبهه من عالم أو ضعيف، على وجه ما يكون له عذر في الخطأ، فلا ضمان عليه ولا إثم، ولا أعلم في ذلك اختلافا.
وعندي أنه قد قيل في الجاهل الذي يعرف بالجهل، وليس هو ممن يؤتمن على العلم، ولا هو من أهله، إذا أفتى فيما يخالف فيه الحق مما يجوز في الرأي، وهو مخالف لأحكام الدين فقال فيه بجهله، فلو لم يتعمد في ذلك شيئا من الحق فهو ظالم آثم، بقوله خلاف الحق بجهل، ولا أعلم عليه بعد التوبة ضمانا، لأنه ليس من الأدلة على الحق، فإن قال في ذلك بجهله قصدا منه إلى الحق، على ما يظن أنه له واسع، فوافق الحق في دين أو رأي فيما يسع فيه الرأي، فعندي أنه سالم ولا إثم عليه(1) إذا قصد إلى الحق، على ما يظن أنه واسع، فوافق الحق الذي
(1) الصحيح في من خاض بغير علم في أحكام الله وأحكام رسوله صلى الله عليه وسلم أنه هالك ولو وفق لإصابة الحق والسقوط على الحقيقة لأن ذلك عين التقول على الله بغير علم وهو حرام بالنص القرآني، ومن ارتكبه فقد ارتكب الحرام قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الآية 33 من سورة الأعراف]، وحسب العاقل ردعاً عن القول على الله بغير علم اقتران تحريم ذلك بتحريم الشرك في هذه الآية ولا تشفع له الإصابة إن أصاب الحق في قوله لأن نفس القدوم على القول بغير علم حرام، سواء اقترن ذلك بإصابة الحق أو غيره، ويؤكد ذلك ما رواه الإمام الربيع رحمه الله عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن وقع من السماء إلى الأرض فصادف بئرا لا قعر لها ولو أنه أصاب الحق»، والإرسال في الحديث لا يمنع من الاستدلال به فإن جابر رحمه الله قد عرف بالثقة والأمانة والتثبت في النقل، وحسبنا أن الأدلة القرآنية تؤيد مدلول الحديث.