جامع ابن بركة (ج 1) - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٧٨خبر(1) الإِباحة، وإذا كان هذا هكذا وجب أن يعترض بقوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)(2) على قوله (لا تنتفعوا من الميتة بشيء)(3)، لأن هذا عام وذلك خاص، فإن قال بعض من يحتج لمن لم يجوز الانتفاع بالإهاب بعد الدباغ فقال: ها هنا خبر ورد لا عموم فيه، وصمد الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إلى الجلد بعينه، وهو قوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء بإهاب ولا عصب) فالتعارض قد وقع، وإِن تعارض الخبران وجب أن يوقفا، ورجعنا إلى قول الله جلَّ ذكره: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، والآية توجب تحريم الميتة في جميع جهاتها، فلو(4) كان خبرك يبيح الجلد وخبرنا يمنع منه علمنا أن هذا طريقه الخصوص والعموم. يقال له: هذا خبر قد تكلم فيه بعض أهل النقل، ولو كان ثابتاً ما لزمنا ما ألزمت(5)،
وذلك أن خبرك ورد بتحريم الإِهاب، ونحن فلا نبيح استعماله مع استحقاق اسم الإِهاب، ولا نجيز استعماله حتى يزول عنه اسم الإِهاب؛ لأن العرب إنَّما تسمي الجلد إِهاباً ما لم يدبغ، فإذا دبغ سموْه أديماً فنحن لم نبح استعماله إلاَّبعد زوال اسم الإِهاب عنه. والدليل على صحة ما قلناه من اللغة