القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ١١٩فالإمام القرافي اعتبرها أصلا ثابتا من أصول الشريعة، وأنها الأسلوب الوحيد لجمع شتات الفقه، وبدونها لا نستطيع ضبط النوازل والتحكم فيها لكثرتها وتشعبها وتعقدها. قال رحمه الله: «فإن الشريعة المعظمة المحمدية -زاد الله تعالى منارها شرفا وعلوًّا- اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان: أحدهما يسمى بأصول الفقه، والقسم الثاني قواعد كلية فقهية جليلة، كثيرة العدد عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحِكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يُذكر منها شيء في أصول الفقه، وإن اتفقت الإشارة إليه هناك على سبيل الإجمال. وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف…، فيها تنافس العلماء وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجَذَع، وحاز قصب السبق مَن فيها برع، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت… ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات»(1).
والإمام الزركشي يعتبر القواعد الفقهية هي السبيل إلى حفظ فروع الفقه وجمع شتاته، وأن القواعد بالنسبة للفروع كإجمال الشيء بالنسبة لتفصيله، حيث قال: «… فإن ضبط الأمور المنتشرة المتعددة في القوانين المتحدة هو أدعى لحفظها وأدعى لضبطها، وهي إحدى حِكم العدد التي وضع لأجلها… ولقد بلغت عن الشيخ قطب الدين السنباطي رحمه الله أنه يقول: الفقه معرفة النظائر(2). وهذه قواعد تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على نهاية المطلب(3).
(1) – الفروق للقرافي، 1/312.
(2) – كلمة "النظائر" وكذا "الأشباه" هما من أسماء القواعد الفقهية.
(3) – نظرية التقعيد الفقهي، للروكي، 16،