القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ٣١أيها السادة إن القواعد الفقهية، أو الأصول الكبرى، أو الأصول البعيدة، أو الكليات العامة للشريعة الإسلامية بهذا التصور أو ذلك المفهوم هو قمة الهرم للعلوم الشرعية، لا يصل إليها إلا الفحول من أمثال ابن بركة أو عمروس بن فتح –إن وصلا إلى ذلك- كما وصل إليها كبار الصحابة - رضي الله عنهم - أمثال أبي بكر - رضي الله عنه - في مواقفه يوم وبعيد وفاة النبيء - صلى الله عليه وسلم - من الوقائع المستجدة بذلك، ومثل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أيام خلافته واتساع رقعة الدولة الإسلامية وتنوعها جغرافيا واقتصاديا وبشريا، وما يقتضي ذلك من إدماج كل ذلك في بوتقة الإسلام الصحيح، دون غلو أو إفراط، وكذا الإمام عثمان والإمام علي اللذين لم يكونا أقل من صاحبيهما أو سلفيهما حتى أصبح علي مضرب المثل في حل معضلات المشاكل، إذ يقال عند أو بعد غيابه: "قضية ولا أبا حسن لها". وعلى مِنوالِهم نسج كبار الأئمة المبرزين، وكبار تلاميذهم الوارثين فكانوا خير خلف لخير سلف، تسلموا الأمانات كاملة، وأدوها كاملة كما أمروا وفق قول الله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُم أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَىآ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاَم بَصِيرًا ﴾ (1)، ووفق قول النبئ - صلى الله عليه وسلم -:«نضر الله امرؤا سمع مني مقالة فوعاها وبلغها كما سمعها فربّ مبلغ أوعى من سامع، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربّ حامل فقه ليس بفقيه». ولعل هذا الصنف يتمثل في معظمنا معشر الحاضرين أن حفظنا بعض مسائل فقهية فرعية، أو أحاديث نبوية، حفظناها ولمّا نتمكن من ناصية الملكة الفقهية وقواعدها، فأصبح بعض المتأخرين يهرفون بما لا يعرفون، يجترون أو يرددون قول فلان أو فلان دون فقه أو وعي لما يروون أو يحفظون . وقد ضرب الله
(1) - النساء، آية 58.