القواعد الفقهية بين التأصيل والتطبيق
الجزء ١ · صفحة ٩٥وقد أنكر ابن الأنبارى هذا القول وخطأهم فيه، والشعر الذي استدلوا به هو حجة عليهم لا لهم، فإنه لو كان لفظ الأرامل يشمل الذكر والأنثى لقال حاجتهم؛ إذ لا خلاف بين أهل اللسان في أن اللفظ متى كان للذكر والأنثى ثم رد عليه ضمير غلب عليه لفظ التذكير وضميره، فلما رد الضمير على الإناث علم أنه موضوع لهن على الانفراد، وسمى أرملاً تجوزاً تشبيهاً بهن ولذلك وصف نفسه بأنه ذكر(1).
وهكذا يحتكم علماء الفقه والأصول إلى ما هو مقرر في قواعد اللغة.
ومن فروعها أوصى لأبكار بني فلان فلا تدخل المصابة بالفجور، وهل يدخل الرجال غير المتزوجين في الوصية بناء على صحة إطلاق البكر عليهم؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: "البكر بالبكر جلد مئة وتغريب سنة"(2). وإذا دخلوا فهل من باب الحقيقة أو المجاز؟ والراجح أنهم يدخلون من باب المجاز، والأصل في الكلام الحقيقة.
قال في البدائع وإطلاق البكر على الذكر من باب المجاز(3).
القاعدة الثانية: إذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز.
المعنى العام للقاعدة هو أن الحقيقة إذا تعذرت أو هجرت تعين المصير إلى المجاز. والتعذر ثلاثة أنواع:
أولا: التعذر العقلي، كأن يقول لمن هو اكبر منه سناً أنت ولدي فيحمل مجازاً على العتق إن كان عبداً.
ثانياً: التعذر العادي، أو العرفي وإن صح عقلاً كمن حلف لا يأكل من هذه الشجرة فينعقد على ثمارها.
ثالثاً: التعذر الشرعي مثل النكاح فإنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد ،فلو قال لأجنبية إن نكحتك بكذا فينصرف إلى المجاز وهو العقد لتعذر الحقيقة شرعاً؛ وهو نكاح الأحنبية بمعنى وطئها.
(1) - المغني 6/54 / 55 ، والمجموع 14/ 376.
(2) - رواه مسلم.
(3) - بدائع الضائع للكاساني 10/4877. والتي بعدها.