آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع سليمان بن محمد موسلمال

آثار المصالحة الوطنية في النفس والمجتمع لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٣٨

إرادة الله وتدبيره الحكيم في تدافع الناس في كلّ حين ومكان، وذلك لبقاء الحياة في هذا الكون، وهم في تدافع وتسابق وزحام في طريق الوصول إلى الغايات، ولكن يجب أن لا ينسى هذا الإنسان أنّ من وراء ذلك كلّه تلك اليد الحكيمة المدبّرة، والتي تمسك بالخيوط جميعها وتقود المركب المتزاحم المتصارع والمتسابق إلى الخير والصلاح والنماء في آخر المطاف.

لقد كانت الحياة كلّها تأسن وتتعفّن لولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض، ولولا أنّ في طبيعة الناس التي فطرهم عليها ربّهم أن تتعارض مصالحهم وتختلف اتجاهاتهم الظاهرية القريبة والخفية البعيدة التي لا يدرك الإنسان حكمتها وأهدافها بنظره القصير، وتفكيره المحدود، لأنه عندما تنطلق الطاقات كلّها، فإنّها تتزاحم وتتغالب وتتدافع، وبذلك تدفع عن نفوس أصحابها الخمول، وتنفض عنها الكسل، فتنطلق بقوّة خارقة كي ينبعث ما بداخلها من مهارات وخبرات، ويظهر ما أودع فيها من مكنونات فتنمو الحياة بفضل ذلك وتتطوّر، وتظل البشرية بذلك يقظة عاملة أبدا طول الدهر، وتتقدّم في حياتها نحو الأفضل والأحسن، مستنبطة لذخائر النفوس، وخزائن الأرض، مستخدمة في ذلك كامل قواها وأسرارها الدفينة، وفي النهاية يكون الصلاح والخير والتقدّم، لأن من طبيعة هذه الحياة التي خلقها الله على هذه الأرض أن تبقى في حركة دائمة، وفي تقدّم مستمرّ.

وبهذا التدافع يتمحّض الخير من الشرّ، وتظهر الجماعة الخيّرة المتجرّدة، والتي تعرف ذلك الخير الذي أراد الله تعالى أن يظهره واضحا كضوء الشمس، ويبيّنه عزّ وجلّ بعد هذا الكرّ والفرّ، ويريها طريقها واضحا لا لبس فيه، وتعرف أنّها مكلّفة بدفع الباطل، وإقرار الحقّ على وجه الأرض، وأن لا نجاة لها إلاّ أن تنهض بهذا الدور النبيل، وتتحمّل في سبيله ما تتحمّل من مشّاق وعراقيل، كلّ ذلك طاعة لربّها عزّ وجلّ، وابتغاء مرضاته ورجاء ثوابه.

٣٨ / ١٨٩