جغرافيا جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٢١٦حوالي 15 يوليو، يبدأ التين في النضوج ويشارف الدرس نهايته إذا كانت السنة الفلاحية عادية، ينطلق موسم التين. تمكث الأسر في القرية إذا لم تكن أغراسها بعيدة، غير أن الكثير منها يغادر مجدداً المنازل لبضعة أيام أو أسابيع أو حتى شهر حسب ما تمتلكه كل أسرة من أشجار تين، وحسب ما يمتلكه أفرادها كذلك من ثروة. تتجه الأسر للإقامة في مغارات بدائية محفورة في كتل الطفل، أو الصاصال، وأحياناً في مغارات ضاربة في القدم، يكفي كنس مدخلها للولوج إليها، أو حتى أكواخ بدائية جداً، قوامها حجارة أو ورق الشجر. وبجانبها تجد دائماً صهريجاً أو أكثر مغلق بإحكام للحفاظ على نقاوة المياه بداخله.
يحدث إذن تنقل جديد للساكنة بمناسبة فترة نضوج التين. والحق أن هذا التنقل لا يتشابه كثيراً مع تنقل الربيع، إذ يستغرق وقتاً أقل، والمسافات المقطوعة فيه غير طويلة، وأقل كثافة بشرية سيما في اتجاه الغرب. ومع ذلك فإن "غروس" التين الكبيرة جنوب يفرن وككلة والتي تمتد في الأفق تبلغ ذروة نضوجها ما بيت خمسة إلى ثمانية أسابيع. هكذا يستهلك الأهالي جزءاً من التين الناضج والعنب في عين المكان في حين يجمع ويجفف الجزء الأكبر من محصول التين. أما الذين بقوا بالقرية، فقد زرعوا بطيخاً أخضراً وأحمراً بجانب العين والبئر. وتنبغي الإشارة هنا إلى أن هذه الحركية البشرية في الصيف موقوفة على الأمازيغ، فهم الغراسون بامتياز. وقد نجد بشكل متواتر- حتى ولو بدا ذلك مفارقاً بعض الشيء- كيف يصير أمازيغي نفوسة الشرقية مترحلاً أكثر من الكثير من "العرب" أنفسهم، أو على الأقل نجده في الأغلب الأعم خارج قريته الأم. كثيرة هي الأسرة التي لا تهاجر قطعانها إلا للذهاب إلى أغراسها من أشجار التين، والرحل وحدهم هم من تكفل بأشغال الحصاد والدرس. لكن ما أن يصل سبتمبر حتى يقفل الجميع عائداً إلى بيته وانتظار أولى الأمطار الخريفية بالقرى.