جغرافيا جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٢٦٢بالإمكان كذلك تشبيه طريقة توزيع المخازن المحصنة بالمساكن الكهفية إذ يتلاقى الصنفان جيداً في غرب تونس، ولو أن المخازن إياها نجدها أيضاً في الجفارة، بل هي شائعة حتى بالجبال المغربية، حيث لا أثر فيها يظهر لمساكن جوفية. فهل ثمة علاقة بين النموذجين في البناء؟ أشرت أعلاه إلى الأسباب التي تجعلني لاأتفق مع العلاقة التي يربطها [برنارد] بين المغارة و"الغرفة". لكن المؤكد أن التساكن والتعايش العريق في هذا الصقع من بلاد الأمازيغ بين نموذجين معماريين بذات القدر من الأصالة ليس محض صدفة .
4- أشكال الإنتقال من المنزل إلى المسكن الكهفي
في حكم المؤكد أن تجاور المنازل والمغارات هي من الأمور العريقة بجبل نفوسة. إذ نجدها معاً في البلدات التي باتت مجرد أطلال حتى الأكثر قدماً من بينها. وتفضيل هذا النموذج السكني على الآخر شهد تغيرات عبر القرون، لا شك أن عنصر اللاأمن وازنٌ في هذه التغيرات. ومن المتعذر ربط هذا التفضيل بتباينات عرقية.
وقد ترتب عن هذا التعايش الألفي إحداث أشكال انتقالية عديدة بين المنزل والمسكن الكهفي. ففي مواجهة خليط من المباني والمغارات نتردد في إعطاء هذه الصفة أو تلك، ذلك أن لكل شكل قيمته الخاصة ضمن المشهد السكني العام. في البادية، يلفت انتباهنا شكل أساسي ضمن هذه الأشكال، يتعلق الأمر بكوخ من حجارة، أو إن شئت خص ملتصق بجدار ترابي محفور في الأرض إلى حد ما. قد تقع أعيننا على عدة نماذج منه سواء فوق عين غزاية أو بالقرب من أشجار التين حيث يقيم الحراس الذين يحرسون الأشجار في بداية نضج ثمارها.