جغرافيا جبل نفوسة
الجزء ١ · صفحة ٣٥٨من الأهمية بمكان العمل على تحليل دقيق لمضاعفات وصول هذه المعطيات من البدو الأعراب إلى مرتفعات إقليم طرابلس، والنتائج المترتبة عن تسلل هؤلاء الوافدين الجدد الذين تماهوا مع كل عناصر الفوضى المتواجدة في البلد، وعواقب استقرارهم بجانب أو مكان السكان الاصليين. فكل هذه القضايا تطرح مشكلة جغرافية وتاريخية حبلى بالفائدة. قادتنا الفصول السابقة إلى خلاصات جزئية لكنها بالغة الأهمية. من الضروري تجميعها الآن ووضعها على محك المعطيات التاريخية. لكن، للأسف الشديد تتسم هذه الأخيرة بالضحالة الشديدة، وتكتنفها ثغرات لا تمكننا من متابعة خط التطور التاريخي. لكن لا يكون بوسعنا هنا إلا التمهيد له ورسم الأطر الكرونولوجية لفترة طويلة تمتد من القرن الحادي عشر إلى القرن العشرين شهدت فيها الحياة بالجبل اضطرابات عنيفة.
كانت نفوسة طيلة هذه القرون الثمانية تتمتع باستقلال فعلي وبلا أطر سياسية حتى استثباب الهيمنة التركية أواسط القرن التاسع عشر. ومن القرن الحادي عشر إلى القرن السادس عشر مر الجبل بفترة عصيبة وتراجيدية من تاريخه. فقد كانت حيازة النفوسيين مختلفة كثيراً عن مثيلتها في طرابلس وفي تونس حيث كان الحفصيون يحكمون طيلة ثلاثة قرون (من القرن الثالث عشر إلى السادس عشر).
يتصدى أمازيغ جبل نفوسة وحدهم للهجمات المتلاحقة للرحل، ويرفضون كل محاولة للسيطرة عليهم من قبل غير الإباضيين، على غرار ما فعله بنو غانية الذين ألبوا وحرضوا إقليم طرابلس ضد الإمارة الموحدية لأفريقيا(1). يتعلق الأمر بفترة شهدت هجرات قوية، وحركة متدافعة للساكنة لا نملك إلا تصورها، لا مشاهدتها بأم العين، وكذلك حركة تنقل كاملة للمساكن، وانقلاب كلي في بنية الاقتصاد.
(1) - راجع : [بل Bel] ص83 ومابعدها