تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ٤مُقَدِّمَة
لم يُعن الفقهاء قديما بالتأريخ للفقه، وقد يَرِد عَرَضًا في كتب التاريخ العامِّ. منها ما كتبه ابن خلدون في مُقَدِّمَته عن مختلف العلوم، التي منها الفقه. ثُمَّ جاء عِدَّة مُؤَلِّفين معاصرين فأفردوا له كتبا خَاصَّةً(1).
وقديما قيل: «لا يصلح آخر هَذِهِ الأُمَّة إِلاَّ بما صلح به أَوَّلها»، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ أَهَمِّيَّة معرفة تاريخ التشريع تكمن في أَنَّهُ ينبِّهنا إلى أزمنة القُوَّة والضعف التي مَرَّ بها التشريع (الفقه) الإِسلاَمِيُّ، وكشْفِ أسبابهما، ومعرفة الطور الذي آل إِلَيْهِ اليوم، لفهم الحاضر، وبناء المستقبل. علما أَنَّهُ قد مَرَّت عَلَى المسلمين فترات من الغزو الْمَادِّيِّ والفكريِّ، وحقبات من الانحطاط والجمود، فَإِنَّ الاطِّلاَع عَلَيْهَا، وكيف تأثَّروا أو تمكَّنوا من تجاوزها، يعطينا تَصَوُّرًا لِمَا يمكننا القيام به اليوم، في عصر تداعت فيه الأمم علينا كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فَهَذِهِ حملات خَارِجِيَّة في التشكيك في صلاحية الإِسلاَمِ لهذا العصر، واتِّهامه بالتطرُّف والجمود، وتلك دعوات دَاخِلِيَّة إلى تطويع الشريعة لتساير الْمَدَنِيَّة الغَربِيَّة …
وَتَتَمَثَّلُ أَهَمِّيَّة التاريخ ـ عُمُومًا ـ في كونه عِبَرًا لأولي الألباب، وتزداد أَهَمِّيَّته إذا تَعَلَّقَ بما يوجِّه سلوك الناس في كُلِّ جوانب حياتهم، وهو التشريع وأحكام الفقه الإِسلاَمِيِّ.
مدخل
(معنى التشريع، الحاجة إِلَيْه، انقسامه إِلىَ سماويٍّ ووضعي، وخصائص التشريع الإِسلاَمِيِّ)
معنى التشريع:
التشريع مصدر شرَّع (بتشديد الراء)، ولِمَادَّة «شرع» في اللغة عِدَّة معان:
أ- مَادَّة «شرع» في اللغة:
شَرَع الدِّين يَشْرَعُهُ شَرْعًا: سَنَّه، أو أَظْهَرَهُ وبيَّنه، وفي التنزيل: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا … ﴾ (الشورى: 13)؛ فَإِنَّ من معاني مَادَّة «شرع»: الظهور، ومنه قَوله تَعَالىَ: ﴿إِذْ تَاتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ (سورة الأعراف: 163).
والشريعة في اللغة تطلق عَلَى معنيين:
- الأَوَّل: الطريقة المستقيمة، ومنه قَوله تَعَالىَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الاَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ (الجاثية: 18)، والدِّين واحد والشرائع مختلفة.
(1) ينظر: قائمة المصادر والمراجع لِهَذِهِ المطبوعة. وتاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، لمناع القطان، ص9 - 10.