تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٥

- الثاني: مورد الماء الجاري الذي يُقصد للشرب، تقول: شرعَ الوارِدُ يَشْرَعُ شَرْعًا وشُرُوعًا: تناول الماءَ بفِيهِ. وشَرَعَتِ الدوابُّ في الماء: أَي دخلت. وشَرَعَ إِبله وشَرَّعها: أَوْرَدَهَا شريعةَ الماء فشربت ولم يَسْتَقِ لها. وفي المثل: «أَهْوَنُ السَّقْيِ التَّشْرِيعُ». وفي الحديث: «فأَشْرَعَ ناقَتَه»(1) أَي أَدخَلَهَا في شَرِيعَةِ الماء.

والشِّرْعَةُ والشَّرِيعَةُ: مَشْرَعَةُ الماء وهي مَوْرِدُ الشاربَةِ … والعرب لا تسمِّيها شريعةً حَتَّى يكون الماء عِدًّا لا انقطاع له، ويكون ظاهرًا مَعِينًا لا يُسْقَى بالرِّشاءِ(2).

ب- الشريعة والتشريع في الاصطلاح:

- الشَّرِيعَةُ والشِّرْعَةُ اصطلاحا: هي الأحكام التي سنَّها الله لعباده، وأَمَرَ بها، كأركان الإيمان السِّتَّة، وأركان الإسلام الخمسة، وسائر أَعمال البرِّ، ليكونوا مؤمنين عاملين بما يسعدهم في الدُّنيا وَالآخِرَة. وَسُمِّيَت كَذَلِكَ لأَنَّهَا مستقيمة لا اعوجاج فيها، وَلأَنَّ بها حياة النفوس والعقول، كالماء للأبدان(3).

وتطلق الشريعة عِنْدَ عُلَمَاءِ الإِسْلاَمِ عَلَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّرْعِ، اعتقادا وعملا، وَفِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ شَاعَ إطْلاَقُها عَلَى الأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ، فَهِيَ بِهَذَا الإِطْلاَقِ مُرَادِفَةٌ لِلَفْظَةِ «فِقْهٍ»(4)، فقالوا: الإسلام عقيدة وشريعة، والأصوب أَنَّ الشريعة تَعُمُّ الاعتقاد والعمل والأخلاق، وَهَذَا ما يقصده علماء الإِبَاضِيَّة قديما وحديثا، فقلَّما يفصلون بين الشريعة والعقيدة(5).

- وَلَفْظُ " التَّشْرِيعِ " فِي الاِصْطِلاَحِ «هُوَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِالْعِبَادِ طَلَبًا أَوْ تَخْيِيرًا أَوْ وَضْعًا». وَمِنْ هُنَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ لاَ حَقَّ فِي التَّشْرِيعِ إلاَّ لِلَّهِ وَحْدَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنِ الْحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ … ﴾ (يوسف: 40)، فَلَيْسَ

(1) مسلم: كِتَاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل، وقصَّة أبي اليسر، رقم: 3014، 4/ 2305.

(2) لِمَادَّةِ “شرع” معان أخرى، منها ما يأتي:

- الشِّرْعَةُ: العادةُ. وهي أَيضًا المثال، تقول: هذا شِرْعةُ ذلك أَي مِثاله. والشِّرْعَة كَذَلِكَ: الوَتَرُ الرقيقُ، وقيل: هو الوَتَرُ ما دام مَشْدودًا على القَوْس … وجمعه شِرَعٌ على التكسير …

- وشرع البابَ: فتحه وفي الحديث: «كانت الأَبوابُ شارِعَةً إِلى المَسْجِدِ» أَي مَفْتُوحَةً إِليه.

- وأَشْرَعَ نَحوَه الرُّمْحُ والسيْف وشَرَعَهُما: سَدَّدَهُما له.

- شِراعُ السفينة: ما يرفع فوقها من ثوب لِتَدْخُلَ فيه الريح فيُجْرِيها. وشَرَّع السفينة: جعل لها شِراعًا. وأَشْرَعَ الشيء: رَفَعَهُ جدًّا. وحِيتانٌ شُرُوعٌ: رافعةٌ رُؤُوسَها. ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ تَاتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾.

- والشَّرْعُ: مصدر شَرَعَ الإِهابَ يَشْرَعُه شَرْعًا: سَلَخَه.

- والشارع: الطريق.

ينظر: ابن منظور: لسان العرب، 8/ 175 - 180، مَادَّة «شرع».

(3) ينظر: القطَّان: تاريخ التشريع الإِسلاَمِيِّ، ص14.

(4) الموسوعة الفِقْهِيَّة الكويتية، 1/ 16 - 17، بتصرف.

(5) ينظر: مهنِّي بن عمر التيواجني: الفقه والتشريع مدخلا وتاريخا، سلسلة: أَشِعَّة من الفقه الإِسلاَمِيِّ، رقم: 3، الطبعة الأولى، مطابع النهضة، سلطنة عُمان، 1417هـ/1996م، ص14.

٥ / ١٠٩