تاريخ التشريع الإسلامي مصطفى بن محمد شريفي

تاريخ التشريع الإسلامي لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٩٧

الدور السادس

التشريع منذ القرن الثالث عشر إلى اليوم

تمهيد:

الدور الأخير يبدأ من النصف الثاني للقرن الثالث عشر الهجري، لَمَّا بدأ الحكَّام في إقصاء الشريعة الإِسلاَمِيَّة عن الحكم في الديار الإِسلاَمِيَّة، ويمتدُّ إِلىَ أَيَّامنا هَذِهِ.

وَإِنَّ الملاحظ لِهَذِهِ الفترة قد يتملَّكه الحزن والأسى لهذا الإقصاء، إِلاَّ أَنَّهُ يتملَّكه السرور والاستبشار لِمَا يشهده من طباعة وتحقيق لأمهات الكتب (في التفسير والحديث والفقه)، ولظهور بوادر الاجتهاد لدى الباحثين والدارسين، وإنشاء المجامع والمدارس والجامعات التي تُعنى بفقه الشريعة.

أَوَّلاً - إقصاء الشريعة الإِسلاَمِيَّة:

نجحت جهود أعداء الإِسلاَم في إقصاء الشريعة الإِسلاَمِيَّة عن الحكم، فألغيت المحاكم الشَّرعِيَّة واستبدلت بها المحاكم النظامية وَالمدَنِيَّة في أغلب الديار الإِسلاَمِيَّة. وقد حاول نابليون التلاعب بالشريعة الإِسلاَمِيَّة عند احتلاله لمصر عام 1212هـ/1798م، إِلاَّ أَنَّهُ لم يبلغ مناه. ثُمَّ بدأت القوانين الْوَضْعِيَّة تغزو الخلافة العثمانية شَيْئًا فَشَيْئًا، إِلىَ أن ألغيت المحاكم الشَّرعِيَّة، بل الخلافة الإِسلاَمِيَّة سنة 1343هـ/1924م، ونُصَّ في الدستور عَلَى علمانية الدولة، وأُلغي النص السابق أَنَّ دين الدولة الإِسلاَم!.

وفي الهند ألغيت أحكام الشريعة الإِسلاَمِيَّة منذ سنة 1856م. وفي مصر جُعلت القوانين الفرنسية هي التي تحكم الديار المصرية سنة 1883م، وفي سنة 1955 ألغيت البقية الباقية من المحاكم الشَّرعِيَّة.

«ولم يأت منتصف القرن الرابع عشر الهجري حَتَّى أصبحت القوانين الْوَضْعِيَّة هِيَ المهيمنة في كُلِّ الديار الإِسلاَمِيَّة، باستثناء المملكة العَرَبِيَّة السعودية»(1).

ثانيا - نشر الشريعة الإِسلاَمِيَّة:

أ- نشر التراث الإِسلاَمي:

كان للطباعة دور كبير في الحفاظ عَلَى التراث الإِسلاَمِيِّ، فبعد أن كانت الكتب عرضة لعوادي الزمن، من عوامل طبيعة وبشرية بسبب انتشار الجهل، وبعد أن كانت لا توجد لبعض الكتب سوى نسخة واحدة أو اثنتين، صارت تُنشر بالآلاف في مختلف البلدان، وقيَّض الله لها محقِّقين أكفاء ينفضون عنها غبار النسيان.

(1) الأشقر: ص181.

٩٧ / ١٠٩