الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٦الثانية: "فلسنا منك إلا أن تتوب وتشهد على نفسك بالضلالة"، فلما فرغوا قال علي: "أما أن أشهد علي نفسي بالضلالة فمعاذ الله أن أكون ارتبت منذ أسلمت، أو ضللت منذ اهتديت، بل بنا هداكم الله من الضلالة واستنقذكم من الكفر، وعصمكم من الجهالة"(1).
الثالثة: "ولما دخلوا الكوفة جعل الناس يقولون تاب أمير المؤمنين وزعم أن الحكومة كفر وضلال … " فبلغ ذلك علياً فقال: "كذب من قال إني رجعت عن القضية وقلت إن الحكومة ضلال"(2).
وهذه الروايات والملاحظات تقدح في كون المحكّمة كانوا يطلقون لفظ الكفر على مخالفيهم بغض النظر عن مدى صحة الإطلاق. ويبدو أنه بعد فترة من الزمن استحالت بعض الألفاظ ألفاظاً أخرى عبرت عن تصور الراوي لنظرة منكري التحكيم من جراء الشائع في الوسط يومئذ. ولهذا فإن الرواية التي تنسب إليهم أنهم شهدوا على علي بالشرك محمولة على هذا التصور. والرواية التي تثبت التكفير والتشريك إليهم عند مخاطبتهم لابن عباس "كفرت وأشركت"(3) محمولة على هذه الفكرة السابقة لحين أداء الرواية، أولاً: لأن الذين يخاطبون ابن عباس بهذا الكلام تصفهم الرواية نفسها بالقدرة على انتزاع الأدلة من القرآن والتأثير على المخاطب، كما تصف متكلمهم بأنه قارئ للقرآن عالم بما فصل ووصل، وثانياً: لأنهم في هذه الرواية "السن الأول أصحاب محمد" أي الأقدمون من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وثالثاً: لأن التشريك ابتدأ بنافع بن الأزرق عام الافتراق.
ولعل حادث الافتراق هذا أعطى لفظ الكفر بعداً كبيراً ومايز بين المحكّمة وغيرهم. وهذا تفسير التناقض الواضح المتمثل في كون أهل حروراء يكفرون مخالفيهم - حسبما ينسب إليهم وحسب التصور بأن الكفر هو الإخراج من الملة أي التشريك - وكون نافع
(1) / البلاذري (الأنساب) جـ3 ص128.
(2) / البلاذري (الأنساب) جـ3 ص130، 131.
(3) / ابن أبي شيبة (المصنف) جـ5 ص300.