الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٠٥وأما عبدالله بن أبي أوفى فقد اجتمع في سنده اثنان ممن فيه بعض الكلام: إما سعيد ابن جمهان و "له أفراد"، وحشرج بن نباتة وهو "صدوق يهم"، وإما سعيد بن جهمان وقطن بن نسير وهو "صدوق يخطئ" كما سبق ذكره.
والذي يظهر أن رفع هذا الحديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصعب قبوله للملاحظات التي تقدم ذكرها، ولا يبعد أن يكون ذلك من كلام أحد الصحابة وهو أبو أمامة الباهلي، فظن الرواة رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا سيما مع وجود بعض الأوهام في الذين كانت رواياتهم أفضل حالاً من غيرها.
إضافة إلى ذلك فإن كلاب النار أشبه بلفظ ذم منه بحكم شرعي، وإلا فلا معنى لكلاب النار. ولعل أبا أمامة رضي الله عنه لما أخبره سعيد بن جمهان بما فعله الخوارج الأزارقة بأبيه دعا عليهم بنحو قوله: كلاب النار، ثم رواه من رواه من بعد مرفوعاً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولا غرابة في مثل هذا الموقف الذي يقفه هذا الصحابي، فإن غيره من الصحابة قد وقف مثله ضد الخوارج الذين ظهروا بعد عام الافتراق، وقد مضى شيء من ذلك في آخر المبحث الثالث من حديث المروق، لكن المهم في الأمر أن الكلام ليس في أهل النهروان ومن حمل فكرهم، بل في الخوارج وأتباعهم الذين يمكن أن يوجه إليهم حديث المروق وما ورد عن الصحابة الكرام من الذم في الخوارج، وبون شاسع بين أهل النهروان ومن نحا نحوهم وبين الخوارج الذين ظهروا من بعد، والذين يتلخص فكرهم في تكفير مخالفيهم واستباحة دمائهم.
هذا، ولو سُلِّم بصحة رفع حديث "الخوارج كلاب النار" إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لكان له وجهة أخرى، فقد روى الحاكم بسند صحيح إلى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال له ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا منه حديثه في شأن الخوارج، فانطلقا، فإذا هو في حائط له يصلح، فلما رآنا أخذ رداءه ثم احتبى، ثم أنشأ يحدثنا حتى علا صوته في المسجد، فقال: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار يحمل لبنتين لبنتين، فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل ينفض التراب على رأسه ويقول:"يا ويح عمار، ألا تحمل لبنة لبنة كما يحمل أصحابك؟ "