الخوارج والحقيقة الغائبة للسابعي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٨٧المبحث الثالث:
حجج معارضي التحكيم في اعتزال الإمام علي
تعبر مواقف المعارضين للتحكيم بدءاً من رفع المصاحف إلى الاعتزال إلى حروراء ثم إلى النهروان عن صلابة في التمسك بهذا المبدأ. ولعل الثبات عليه إلى درجة الموت من أجله يدفعنا إلى إعادة تقويم لمسألة التحكيم لاكتناه الحقيقة فيه وفي مواقف معارضيه. وتمثل تلك المواقف عرضاً لحجج أصحابها. وتعطي المناظرة التي جرت في حروراء(1)
بينهم وبين عبدالله بن عباس ملخصاً لتلك الحجج. لكننا نجد أن الحوار في قضية التحكيم وأسبابه ونتائجه لا يتوقف بنهاية معركة النهروان بل نجد لكلا الفريقين - المعارض والمؤيد - أنصاراً يناظرون مخالفيهم معلنة النتائج عند كل فريق عن انتصاره على الفريق الآخر. ولا مناص من التعريج على حروراء لاستجلاء حقيقة ما دار هنالك.
مناظرة عبدالله بن عباس لأهل حروراء:
سبق ذكر اختلاف الروايات في نتيجة المناظرة بين أهل حروراء وابن عباس، حيث يفهم من بعضها إلزام ابن عباس إياهم الحجة، في حين يذكر فيه بعضها الآخر
(1) / ثمة مجال واسع لاحتمال أن يكون بعض ما يروى من جوانب تلك المحاورة جرى في النهروان أيضاً. فقد روى البلاذري (الأنساب) جـ3 ص127، 128 أن علياً أرسل إلى الحرورية ابن عباس وصعصعة بن صوحان ثم أعادهما إليهم فرجع منهم نحو من خمسمائة. كما يروي الشماخي (السير) جـ1 ص51 أن أهل النهروان قدم عليهم صعصعة بن صوحان، ثم قيس بن سعيد فناظروه فقال: هذا أمير المؤمنين يحكم بكتاب الله قالوا: "ألم يخلعه وكيله".
فقدوم صعصعة -عند الشماخي- يؤكد قدومه الثاني عند البلاذري، كما أن قولهم لقيس بن سعيد: "ألم يخلعه" أي عليًّا "وكيله" أي أبو موسى صريح في أن الحوار كان بعد نتيجة التحكيم، أي في النهروان؛ إذ إن اجتماع الحكمين كان بعد انصرافهم إلى النهروان.
وأما قدوم ابن عباس -ثانياً- عند البلاذري فتؤيده الرسالتان المنسوبتان إلى علي وابن عباس في شأن أهل النهروان، وفي كلتا الرسالتين التصريح بأن ابن عباس حاورهم في النهروان: (السير) ورقة 101ظ - ورقة 105ظ (مخطوط). وأما الخمسمائة الذين خرجوا من النهروان فلا يبعد أن يكونوا فروة بن نوفل وأصحابه فإنه انسحب في خمسمائة رجل: البلاذري (الأنساب) جـ5 ص169 / الطبري (التاريخ) جـ3 ص121، واتفاق العدد مرجح لأن يكونا جماعة واحدة، وإذن فذلك يرفع من نسبة الاحتمال السابق.