ج1 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ١ · صفحة ٢٨٩بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } (البقرة: 185)، قالوا: فهذه الآية دليل على أن الله - سبحانه وتعالى - إنما يُريد بعباده اليسر، وليس نسخ الحكم إلى ما هو أثقل منه باليسر، بل ذلك نوع من العسر.
وأُجيب: بأنه إن سلم ذلك؛ فسياق الآية للمال في تخفيف الحساب تكثير الثواب، وأيضًا فيمكن حمل اليسر على معنى التخفيف في الحساب، وحمل العسر على معنى التشديد فيه، فيكون من باب تسمية الشيء بما يؤول إليه؛ لأن التكليف بالعسر يؤول إلى اليسر عند الإثابة عليه، كقول القائل: لدوا للموت وابنوا للخراب، وإذا سلم بأن معنى الآية في التكليف كما هو ظاهر سياقها؛ فهي عموم مخصص بذلك المقام الذي وردت فيه، لا في كل تكليف لما قدمناه لك آنفًا من ذكر الأدلة على وقوع النسخ بالأثقل والأشق، كما أنها مخصصة عند الجميع بما عدا الابتداء في التكليف، فإن عدمه يسرٌ لنا، ووجوده أشق علينا.
- وثالثها: قوله تعالى: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ (البقرة: 106)، قالوا: والأشق ليس بخير من الأخف.
- وأُجيب: بأن المراد بخير منها في الثواب، والله أعلم.
- ثم إنه أخذ في بيان جواز نسخ الكتاب بالكتاب والسنة، ونسخ السنة بالكتاب، فقال:
وَيُنْسَخُ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ … وَالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ الأَرْكَانِ
أَعِينَ بِهَا التِي تَوَاتُرًا أَتَتْ … وَيَنْسَخُ القُرْآنُ مَا بِهَا ثَبَتْ
وَلاَ يَجُوزُ النَّسْخُ لِلْتَّوَاتُرِ … بِغَيْرِهِ مَعَ غَيْرِ أَهْلِ الظَّاهِرِ
ينسخ القرآن بالقرآن اتفاقًا كما في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ (البقرة: 240) الآية، نُسخت بقوله تعالى: ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ (البقرة: 234)، وكذا نسخ وجوب ثبات الواحد للعشرة بوجوب ثبات الواحد للاثنين، ومن ذلك نسخ آية السيف لآيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ (الحجر: 94)، ونحوها، وهذا النوع مثير، ولم يُخالف في جواز وقوعه أحد من المسلمين