شرح طلعة الشمس على الألفية المسماة بـ شمس الأصول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي

الجزء ٢ · صفحة ١٩٥

<2/195> تعارض بين ما يقتضي حدوث العالم، وبين ما يقتضي قدمه، بل المقتضي لقدمه باطل، وَإِلاَّ لزم إثبات متناقضين، واجتماع ضِدَّيْنِ، وهو محال، وكذلك لا يَصِحُّ التعارض بين قطعيٍّ وَظَنِّيٍّ؛ لأَنَّهُ لا وجود للظنِّ مع ثبوت القطع، وقيل بجواز تعارضهما، وَإِنَّهُ إِنَّمَا يرجَّح القطعيُّ لقوَّته، لا لانتفاء الظنِّ عند وجوده، والصحيح الأَوَّل، إذ لا بقاء للظنِّ عند القطع؛ لأَنَّ القطع ثمرة اليقين، والظنُّ على خلافه، وهما نقيضان لا يمكن اجتماعهما في محلٍّ واحد، فإذا عرفت ما قرَّرناه، فاعلم أَنَّهُ إن ورد دليلان توهَّمت تعارضهما، فاحملهما على أنَّ أحدهما ناسخ والآخر منسوخ، لِئَلاَّ يلزم التناقض في كلام الله أو كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فإن عُلم الْمُتَقَدِّم منهما حُكم بِأَنَّهُ منسوخ، وعُمل بالثاني لأَنَّهُ الناسخ، فإن جُهل الْمُتَقَدِّم منهما التُمس الجمع بينهما إن أمكن، فإن تعذَّر الجمع بينهما التُمس ترجيح أحدهما على الآخر بوجه من الوجوه التي سنذكرها، مثال ما أمكن فيه الجمع بين المتعارضين: حديث الترمذيِّ وغيره: "أيُّما إهاب دُبغ فقد طهر"، مع حديث أبي داود والترمذيِّ وغيرهما: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب"، الشامل للإهاب المدبوغ وغيره، فخصَّصنا الحديث الأخير بالحديث الأَوَّل، فجعلناه في غير الإهاب من أجزاء الميتة، جمعا بين الأَدِلَّة. وقيل: يُرجَّح الأرجح من المتعارضين وإن أمكن الجمع بينهما، وَالأَوَّل هو الصحيح؛ لأَنَّ في الجمع بينهما إبقاء لهما، وفي الترجيح إلغاء أحدهما، ثُمَّ إنَّ الملغيَّ وإن كان مرجوحا من وجه، فمدلوله الممكن العمل به عند الدليل المعارض له باق على حاله لا معارض له حَتَّى يرجع عليه، فلا دليل على اطِّراحه رأسا، مثاله: دلالة الحديث الثاني من هذين الحديثين على تحريم الانتفاع بما عدا الإهاب من أجزاء الميتة، فلو اطَّرحناه بمعارضة الحديث الأَوَّل له للزم اطِّراح دلالته في تحريم ما عدا الإهاب من الميتة، ولا دليل على ذلك؛ لأَنَّ الحديث الأَوَّل إِنَّمَا عارضه في

٥٠٠ / ٦٢٢