الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٣٣٢وواحد في العبادة، بمعنى أَنَّهُ لا معبود على الحقيقة إِلاَّ هو.
وهذه الأوجه إذا علمها الإنسان لا يجوز له الرجوع عن علمها كما ذكره في السؤالات.
قوله: «ظاهرا باطنا أَوَّلاً آخرا»: يعني أَنَّهُ الظاهر لخلقه بالدلائل التي عرف بها في كبير الخلق وصغيره أَنَّهُ الصانع. والباطن الذي لا يدركه خلقه بما يدرِكُ به بعضُهم بعضا بشيء من حواسِّهم، قاله في شرح الجهالات. وقال أيضا: “والظاهر أي: أنَّ الدلائل عليه عَزَّ وَجَلَّ ظاهرة، فقيل: ظاهر لظهور الدلائل عليه كما ذكرصاحب الكتاب، والباطن أي: أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَطَنَ عن إدراك الحواسِّ ومشاهدة الخلق، فقيل: ظاهرعلى معنًى، وباطن على معنًى … ” الخ.
وقال أيضا: “الأَوَّل هو الذي لم يكن معه شيء قديم، والآخر الذي ليس لآخريَّته آخِرٌ إليه ينتهى”. إلى أن قال: “وَالأَوَّل تأويله في صفة الله عَزَّ وَجَلَّ من تأويل: قديم، وكذلك الآخر في صفة الله عَزَّ وَجَلَّ من تأويل: باقٍ لا يفنى”. إلى أن قال: “ومعنى قوله: "أَنَّهُ ليس لآخريَّته آخر إليه ينتهى"، أي: أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ باق ليس لبقائه نهاية، ولا يجري عليه الفناء، لأَنَّهُ يستحيل الفناء في ما يستحيل عليه الحدوث.
ثُمَّ قال بعد ذكر معنى الأَوَّل والآخر والظاهر والباطن: “وهذا النوع من الوصف لله عَزَّ وَجَلَّ مِمَّا يوهم السامع مِمَّن لا علم له بِأَنَّهُ وصف متضادٌّ، وليس فيه من تضادٍّ ولا اختلاف، وليس شيء منه بمانِعٍ لغيره من الوصف. فقولك: أَوَّل لا ينفي أن يكون آخِرا، كما أنَّ قولك: آخِرًا، لا ينفي أن يكون أَوَّلاً؛ لأَنَّ معنى أَوَّل على حدة من معنى آخِر، كما فَسَّرنَا قبل، وكذلك قولك: ظاهر، لا يمنع القول بِأَنَّهُ باطن ولا ينفيه؛ لأن معنى ظاهر على حدة من معنًى باطن، وَلِكُلِّ وصف من هذه الأوصاف معنى لا يمنع صاحبه، فاعلموا ذلك. وَالأَوَّل هو القديم، والآخر هو الباقي، والظاهر هو الذي يُعلَم ولا يخفى، والباطن هوالذى يُعلَم ولا يُشاهَد ولا يجاهر، تعالى الله عن مماثلة البريَّة سبحانه … ”الخ.