الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٥قولُه: «إنَّ الله لا كيف له غير الخلقِ»؛ قال في السؤالات: أي فعلٍ وهو الخالقُ لكيفيَّتهم. قال في شرح النونية عند قولِه: ”جلَّ عن التكييف“ ما نصُّه: والكيفُ يجري على وجهين على الألوان، يقول: كيف هو؟ فيُقال: أحمر أصفرٌ. والثاني يجري على الحدود والأحداث، بأن يقول: كيف هو؟ فيقال: طويل عريضٌ صحيح سقيم .. فهذان الوجهان لا يجريان على الله عزَّ وجلَّ. فإن قال قائلٌ: من أيِّ السبُل يُعرَف؟ قيل له: إنَّما يُعرف بالدلائل الدالَّة على ربوبيَّته ولا يُعرف من جهة ما يُعرف الخلقُ. لأنَّ الخلقَ إنَّما يَعرف كلَّ شيءٍ منهم من قبيل سبيله؛ فالخلقُ كلَّه خمسة أصنافٍ؛ صنفٌ منه الألوان وسبيلها الذي تُعرف هي الأبصار، وصنفٌ منه الأصوات وسبيلها الأسماع، وصنفٌ منه الطعوم وسبيلها الأذواق، وصنفٌ منه الأرياح وسبيلها الأشمام، وصنفٌ منه الملموسات وسبيلها الألماس - لعلَّه اللَّمس-. فهذه الأشياء تُعرف من هذه الأسباب، فإن أدركت الأشياء المختلفة من قِبَل هذه الأسباب فهذه دلائل على معرفة الرحمن الرحيم الذي ليس كمثله شيءٌ. أمَّا الأسباب التي تدرك بها الدلائل فلا يدرك الربُّ تعالى بها، وذلك لأنَّ البصر ليس له إليه سبيلٌ لأنَّه تعالى ليس بلونٍ، وإنَّما سبيل البصر إلى اللون خاصَّة، وسبيل السمع إلى الصوت خاصَّة وليس هو بصوتٍ، وسبيل الذوق إلى الطعم خاصَّة والله تعالى ليس بطعمٍ، وسبيل الشمِّ إلى الرائحة والله تعالى ليس كذلك، وسبيل اللمس إلى الليانة والخشونة والحرارة والبرودة، فليس هو بشيءٍ من هذه الأشياء، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وإنَّما يُعرف ربُّنا بالآيات ويثبت بالعلامات التي جعلها في كبير الخلق وصغيره الدالة على ربوبيته ووحدانيته.
فإن قال: فكيف يعتقد قلبي ما لا يدركه وينطوي على ما لا يكيِّفه؟ قيل له: أتقدر على تكييف روحك وعقلك وفعلك وصحَّتك وحياتك، وسائر المخلوقات المركَّبة فيك من الغضب والحزن والفرح وسائرها؟ أم تقدر على وصف شيءٍ من ذلك؟ فإن وصفت شيئًا من هذه الأشياء بكيفية تدلُّ عليها كابرت عقلك، وإن أقررت بالعجز عن تكييف المخلوق الذي له أمثال فكيف بمن ليس كمثله شيءٌ أن تشبهُه صنعتُه؟ والصنعةُ لا تشبه الصانع علمًا عقليًّا لا سبيل إلى دفعه. اهـ.
قولُه: «يصِفُون ربَّهم بالبشر»؛ أي بصفة البشر كما هو. الرواية في السؤالات وفي شرح النونية: بصفات البشر.