حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٣٩

بني إسرائيل دعاهُم ملكُهم إلى الجهادِ ففرُّوا حذَرَ الموتِ فأماتَهم الله ثمانية أيامٍ ثم أحياهُم. ?وَهُمُو أُلُوفٌ? أي ألوفٌ كثيرةٌ، قيل عشرة وقيل ثلاثون وقيل سبعون الخ.

قولُه: «?أَوَلَمْ يَرَ الاِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ? [يس:77]»؛ قال البيضاوي: تسليةٌ ثانية بتهوينِ ما يقولُونه بالنسبة إلى إنكارِهِم الحشرَ. وفيه تقبيحٌ بليغٌ لإنكاره حيثُ عجب منه وجعله إفراطاً في الخصومة بيِّنًا، ومنافاة لجحودِ القدرة على ما هو أهون ممَّا عمله في بداية خلقه، ومقابلة النعمة ـ التي لا مزيد عليها وهي خلقُهُ من أخسِّ شيءٍ وأمهَنِهِ شريفًا مُكرَّمًا ـ بالعقوق والتكذيب. وروي أنَّّ أُبَيَّ بن خَلَفٍ أتى النبيءَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعظْمٍ بالٍ يُفتِّتُهُ بيده وقال: أترى الله يُحيِ هذا بعد ما رَمَّ؟ فقال عليه السلام: «نَعَمْ وَيَبْعَثُكَ وَيُدْخِلُكَ النَّارَ» فنزلت. وقيل معنى ?فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌم مُّبِينٌ? فإذا هو بعد ما كان ماءً مَهِينًا مُمَيِّزٌ مِنْطِيقٌ قادرٌ على الخصومةِ مُعرِبٌ عمَّا في نفسه.

قولُه: «?وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ? [آل عمران:143]»؛ ظاهر البيضاوي أنَّه حمل الرؤيةَ هنا على رؤيةِ البصرِ خصوصًا إذا كان المرادُ بالموتِ الحربُ، حيث قال: ?وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ? أي الحربَ فإنَّها من أسبابِ الموتِ، أو الموتُ بالشهادةِ؛ والخطابُ للَّذين لم يشهدُوا بدرًا وتَمنَّوا أن يَشهدُوا مع رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم مشهدًا لينالوا ما نالَ شهداءَ بدرٍ من الكرامةِ فألَحُّوا يومَ أُحُدٍ على الخروج. ?مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ? من قبل أن تُشاهدُوه وتعرفُوا شدَّتَه. ?فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ? أي فقد رأيتمُوه مُعَايِنِين له حين قُتِل دونَكُم من قُتِل من إخوانِكُم. وهو توبيخٌ لهم على أنَّهُم تمنَّوا الحربَ وتسبَّبُوا لها، ثم جبنُوا وانهزموا عنها، أو على تمنِّي الشهادة فإنَّ في تمنِّيها تمنِّي غَلَبَةِ الكفَّار.

قولُه: «فَلَمْ يَزَلْ يَحْجُبُهُم عَن رَحمَتِهِ ونواله» .. الخ؛ يعني أنَّه على حدفِ مضافٍ، والقرينةُ عليه الاستحالةُ.

١٬٦٥٨ / ١٬٩٦٦