حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٣٨

فشرعَ في الرَّد عليهم في التفرقة بين الدنيا والآخرةِ في الرؤيةِ وسألَهم عن إخبارِ اللهِ بأنَّه لا تُدرِكُهُ الأبصارُ هل هو خبرٌ عن الذَّاتِ أو عن وقتٍ دونَ وقتٍ؟ إلى آخر ما أطالَ فيهِ. وسيأتي نقلُ كلامِه بعدُ إن شاء الله.

قولُه: «?أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ? [الفرقان:45]»؛ أبدى فيه البيضاوي ثلاث احتمالات: اثنان منها حملَ الرؤيةَ فيهما على النظرِ، الأول منهُمَا على تقديرِ مُضافٍ، والثاني على تغيير الأسلوبِ. وواحدٍ منها حَمَلَها فيه على العِلمِ، حيث قال: ?أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ? ألَم تنظُر إلى صُنعِه كيف مدَّ الظلَّ، كيفَ بَسَطَه، أَوَلَم تَنظُر إلى الظلِّ كيف مدَّهُ ربُّك؟ فغيَّر النظم إشعارًا بأنَّ المعقولَ من هذا الكلام لِوُضُوح برهانه، وهو دلالةُ حدوثه وتصرُّفِه على الوجه النافع بأسبابٍ مُمكِنةٍ على أنَّ ذلك فعلُ الصانع الحكيمِ كالمُشَاهَد المرئي، فكيف بالمحسوس منه؟ أو ألَم ينتهِ علمُك إلى ربِّكَ كيفَ مدَّ الظلَّ فيما بين طلوعِ الفجرِ والشمس وهو أطيب الأحوال، فإنَّ الظلمة الخالصة تُنفِّرُ الطبعَ وتَسُدُّ النظر، وشعاعُ الشمس يُسخِّنُ الجوَّ ويُبهِرُ البصَرَ، ولذلك وَصَفَ به الجنَّة فقال ?وَظِلٍّ مَمْدُودٍ? [الواقعة: 30].

قولُه: «?أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فيِ رَبِّهِ? [البقرة: 258]»؛ قال البيضاوي: تعجَبُ من مُحاجَّة نمرود وحماقته أن أتاه الله المُلكَ، أن أتاهُ أي أبطَرَهُ إيتاؤُه الملكَ وأَورَثَهُ الكبرَ والعتوَّ فحاجَّ لذلك، وحمله على المحاجَّة أو حاجَّ لأجلِه شكرًا له على طريقةِ العكسِ، كقولِك عاديتَني لأنِّي أحسنتُ إليكَ، أو وقتَ أن أتاهُ اللهُ الملكَ وهو حُجَّة على من منع إيتاءَ الله الملكَ الكافر من المعتزلة.

قولُه: «?أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ? [البقرة:243]»؛ قال البيضاوي: ألم ترَ، تعجيبٌ وتقريرٌ لمن سمع بقصَّتِهم من أهل الكتاب وأربابِ التواريخ، وقد يخاطَبُ به من لم يرَ ومن لم يسمع، فإنَّه صار مثلاً في التعجُّب. ?إِلَى الذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ? يُريدُ أهل داوردان: قريةٌ قبل واسط وقع فيهم طاعونٌ فخرجوا هاربين فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويتيقَّنُوا أن لا مفرَّ من قضاء الله وقدرِه، أو قومًا من

١٬٦٥٧ / ١٬٩٦٦