حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٤٩

يفعلُه الملوكُ بمن يغضبُون عليه، وهو أن يأخُذَ القتال بيمينِه ويكفَحَهُ بالسيف ويضرِبَ جيدَه. وقيلَ اليمينُ بمعنى القوَّة.

قولُه: «قالت اليهود رزقه محبوسٌ» .. الخ؛ قال البيضاوي في قوله تعالى: ?وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ? أي هو مُمْسِكٌ مُقتِّر بالرزق، وغلُّ اليد وبسطُها مجازٌ عن البخل والجود ولا قصد فيه إلى إثبات يدٍ وغلٍّ وبسطٍ، ولذلك يُستَعمل حيث لا يُتصوَّر ذلك كقوله:

جَادَ الحِمَى بَسْطَ اليدَيْنِ بِوَابِلٍ … ... شَكَرَتْ نَدَاهُ تِلاعُهُ وَوِهَادُهُ

التِّلاعُ مجاري أعلى الأرضِ إلى بُطون الأودية، واحِدُها تَلْعَةٌ، والوِهادُ جمعُ وَهْدَة وهي المكانُ المطمئن. اهـ من الصحاح. ونظيرُهُ من المجازات المركَّبة» شابت لمةُ الليل «. وقيل: معناهُ أنَّه ?وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتَ اَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ? دعاءٌ عليهِم بالبخل والنَّكدِ، أو بالفقر والمسكَنة، أو بِغَلِّ الأيدي حقيقةً إلى أن قال: ?بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ? ثنَّى اليدَ مبالغةً في الردِّ ونفيِ البخلِ وإثباتِه لغايةِ الجودِ فإنَّ غايَةَ ما يبذُلُه السخيُّ من ماله أن يُعطيه بيده، وتنبيهًا على منح الدنيا والآخرة، وعلى ما يُعطي للاستدراجِ وما يُعطي للإكرام ?يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ? تأكيدٌ لذلك، أي هو مُختارٌ في إنفاقِه يوسِّع تارةً ويضيِّقُ أخرى على حسب مشيئتِه ومقتضى حِكمتِه، لا على تعاقُب ضيقٍ وسَعَةٍ في ذاتِ يدٍ، إلى أن قال: والآيةُ نزلت في فنحاص بن عازوراء فإنَّه قال ذلك لمَّا كفَّ الله عن اليهود ما بسط عنهم من السَّعَة بشؤمِ تكذيبِهم محمَّدًا صلى الله عليه وسلم، وأشرك فيه الآخرون لأنَّهم رضوا بقوله.

قولُه: «?وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً اِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ?»؛ قال البيضاوي: تمثيلان لمنع الشحيحِ وإسراف المُبذِّر، نهى عنهما آمرًا بالاقتصادِ بينهُما الذي هو الكرمُ ?فَتَقْعُدَ مَلُومًا? عند اللهِ وعندَ الناسِ بالإسراف وسوءِ التبذير ?مَحْسُورًا? نادمًا ومُنقطِعًا بِك، لا شيءَ عندك من حسرةِ السفر إذا بلغ منه.

١٬٦٦٨ / ١٬٩٦٦