حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٤٨

فلمَّا نطق القرآنُ بما قدَّمنا من الآيِ وقارنتَ كلَّ آيةٍ منها قرينةً تُبيِّنُ معناها حملنَا اليدَ على ذلك المعنى. ألا ترى إلى قولِه تعالى: ?وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ? [المائدة:64] إنَّما أرادُوا رِزقهُ محبوسٌ، تعالى عن ذلك.

فلما قال: ?يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ? علِمنا أنَّ قولَه: ?يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ? أرادَ نعمَة الدِّينِ والدُّنيا، نظيرُها قول الله تعالى: ?وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً اِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ? [الإسراء: 29]، وكذلك قولُ الله: ?يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ? [الفتح:10]، أراد منَّةَ الله عليهم أن هداهُم فوق منَّتهم أن قبلوا الإيمان، لا يذهب وهمُ أحدٍ إلى حملِ اليد في هذه الآياتِ على الجارحة، ولمَّا وجدنا قول الله تعالى: ?لِمَا خَلَقْتُ بِيَدِي? [ص:75]، وقولُه ?مِمَّا عَمِلَت اَيْدِينَا? قارَنَتْهُ قرينةُ الخلقِ، والخلقُ لا يقع إلاَّ بقدرةٍ حَمَلنا اليدَ هاهُنا على التوكيدِ والقُدرةِ، والكلُّ سائغٌ، فلمَّا وجدنَا اليدَ التي هي الجارحةُ مركَّبةٌ في البدنِ مؤلَّفةٌ نَفَينا الجارحةَ عن اللهِ عزَّ وجلَّ، إذ العقلُ من وراء هذا. ذلك كلُّه ظاهرٌ إلى أن قال: والعربُ تذكُرُ اليدَ والذراعَ وغيرَ ذلك من الأعضاءِ وتريدُ بها غير الجوارح كما قال:

سِبْطُ اليَدَينِ بِمَا في رِحْلِ صَاحِبِهِ … جَعَلَ اليدَيْنِ بِمَا فِي رِحْلِهِ قَطَطُ

يصفُه بالسخاء في مال غيره وبالشح في ماله، وقال آخر:

لهُ نارٌ تهبُّ بكُلِّ ريحٍ … ... إذا الظلماءُ جلَّلتِ القِنَاعَا

فَمَا إِنْ كَانَ أَكثَرَهُم سَوامًا … ... وَلَكِنْ كَانَ أَرْحَبَهُمْ ذِرَاعًا

يريدُ سَعة الاحتمالِ على قلَّة ماله. مَنَعنا عن الاستشهادِ بالشعر على كلِّ لفظةٍ حبُّ الاختصارِ.

قولُه: «?لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ? نياطَ القلبِ»؛ في الصحاح: والنياطُ علِّقَ به القلبُ من الوتين فإذا قُطِع مات صاحبُه، وهو النيطُ أيضًا .. إلخ، وقال في محلٍّ آخر: الوتينُ عرقٌ في القلبِ إذا انقطع مات صاحبُه. وذكر البيضاوي في اليمين تفسيرين: أحدُهما: إبقاؤُه على ظاهره من الجارحة والمرادُ بها يمينُ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم. والثاني: التأويلُ بالقوَّة، حيث قال: ?لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ? بيمينِه، ?ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ? أي نِياطَ قلبِه بضربِ عُنقِه، وهو تصويرٌ لإهلاكه بأفظع ما

١٬٦٦٧ / ١٬٩٦٦