الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٥٦قولُه: «?رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرِ اِلَيْكَ? [الأعراف:143]»؛ قال في شرح النونيَّة فيما يتعلَّق بسؤال موسى ربه الرؤية ما نصُّه: فإن قال أليس إنَّما أشركت اليهودُ لجحودهم بنبيِّنا محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم وبسؤالِهم موسى عليه السلام أن يُريَهم ربَّهم جهرةً؟ قيل له: نعم. فإن قال: أوليس كلُّ من سألَ مثلَ ما سألت اليهود فقد أشرك؟ قلنا: نعم. فإن قال: وقد سألَ موسى أن يرى ربَّه؟ قلنا: إنَّ موسى عليه السلام لم يسأل أن يرى ربَّه عيانًا مثل ما سألت اليهود، وإنَّما قال: ?رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرِ اِلَيْكَ?، فقال هذا على وجهِ الاعتذارِ إلى قومِه ليُريَهُم آيةً من آياتِه فييأسُوا من رؤيتِهِ عزَّ وجلَّ. هكذا روى جابرُ بنُ زيدٍ عن عبد اللهِ بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهُما، وهو تُرجُمانُ القرآن والناسُ عليه، كما قال الله تعالى: ?لَنْ تَرَانِي?، ولا ينبغي لبشرٍ أن يراني. ?وَلَكِنْ انْظُرِ اِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكَانَهُو فَسَوْفَ تَرَانِي? فهذا على قَطعِ الرجاءِ، أي فكمَا أنَّ الجبلَ لاَ يستقِرُّ فكذلكَ لن تراني. ونظيرُه ?وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ? [الأعراف:40] أي ثُقبَةَ الإبرَةِ، واللهُ أعلم. قال تعالى: ?فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ? أي تجلَّى بِبعضِ آياتِه فلَم يتحمَّلْها الجبلُ فصار دكًّا ?فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ? عن ابنِ عبَّاس مِن مسأَلَتِي إِياكَ أنْ أنظُرَ إِليكَ ?وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ? المُصدِّقين بأنَّك لا يراك أحدٌ، وقال مجاهد مثل ذلك. فإن قال قائلٌ: فإن كان موسى عندكُم غيرَ مُخطئٍ فمِمَّ إذًا تابَ؟ ومن ماذا أخذته الصاعقة؟ قيل لهُ إنَّ أهل التفسير قالوا: إنَّ ذلك لتقدُّمِه بين يدَي الله تعالى بالمسألة قبل أن يُؤمَر بذلك.
فإن زعموا أنَّ الصاعقةَ وأنَّ التوبة إنَّما كانتا من أجل طلبِه الرؤية، قيل لهم: فإنَّ الصاعقةَ لا تصيب أحدًا إلاَّ على أمرٍ لا يجوز له ولا يحلُّ فكذلك التوبةُ لا تكونُ من صاحبِها إلاَّ على أمرٍ غيرِ جائزٍ له، فهذا داخلٌ عليكُم أجمع. اعلموا أنَّه ليس عند أهل الرؤية من المشبِّهة في كتابِ الله عزَّ وجلَّ آية هي أوثقُ في أنفسِهِم من هذه الآية المتقدِّمة التي يذكر فيها مسألة موسى ربَّه