الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٥٧عزَّ وجلَّ، والآيةِ التي يُذكَرُ فيها النظرُ وأمَّا الآية التي يذكر فيها الزيادة فإنَّما تعسَّفُوا في تأويلها تعسُّفًا كما قدَّمنا قبل هذا. ونَعكِسُ عليهم المسألةَ فيُقال لهم: إن كان موسى عليه السلام إنَّما سأل الرؤيةَ عندكم على حقيقةِ الرؤيةِ فكيف حتَّى لم يُشرِك موسى عليه السلام - حاشاه من ذلك - كما أشرَكَت اليهودُ بسُؤالِها مثل الذي سألَ، فكيف أن يرخَّصَ لِمُوسى عليه السلام في أمرٍ شُدِّد فيه على غيرِه، وقد قال تعالى: ?فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ? [النساء:153]. قال أهلُ التفسير ?بِشِرْكِهِمْ? ففي هذا أوضَح الدلالةَ على أنَّ الذي سأل موسى عليه السلام ليس هو مِنَ المعنى الذي سألت اليهودُ في شيءٍ، فينبغي على قيَّاد قولِ المشبِّهة وأصحابِ الرؤية أن يكون موسى عليه السلام مُشرِكًا مُستَحِقًّا أن تأخُذَه الصاعقةُ بظلمه فحاشا لرسول الله وصفِيِّه وكليمِه من مقالةِ أهلِ الخطأ. وقال في محلٍّ آخر: ويُقال لهم أخبرونا لأيَّة علَّة معبُودُكُم يُرى في دارِ المَعاد ولا يُرى في الدنيا؟ أللذَّاتِ أم للخبر؟ فإن قلتُم للذَّاتِ فالذَّاتُ لا تتغيَّر، وإن قُلتُم للخبر فما ذلك الخبرُ.
فإن قُلتُم ?وُجُوهٌ يَّوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ? [القيامة:22،23] قُلنا هذا الخبر للرؤيةِ عندكُم في المَعَاد، فأين الخبرُ الذي لا يرى به في الدنيا؟ فلستُم تجدونه إلاَّ أن تقُولوا قولَه: ?لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ?، فإن قالوا ذلك قيل لهم: هذا الخبرُ خبرٌ عن الذات أو خبرٌ عن وقتٍ دون وقت؟ فإن قالوا: خبرٌ عن الذَّات قلنا قد قلتُم إنَّ الذاتَ لا تتغيَّر إذا كان في ذلك تغييرُ صفةُ القديمِ إلى صفة المُحدَث. فإن قلتُم عن وقتٍ دون وقتٍ فيلزمُكُم أن تقولوا بمثل ذلك في جميعِ ما أخبرَ اللهُ به عن نفسِه في القرآن، من قولِه: ?لاَ تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ? و?وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا? [البقرة:255] و?لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ? [سبأ:3]، فتكون هذه الأخبارُ من كتابِ الله وما شاكَلَها في صفةِ الله تعالى إنَّما هي لوقتٍ دون وقت. فإن قالوا: قد استثنى في قوله: ?لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ? بقوله: ?وُجُوهٌ يَّوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ?، قلنا: وكذلك على قولكم قد استثنى في قوله: ?لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ? [الأعراف:187] بقوله: