الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٥٩وكذلك لو سأَلَ عن الحاسَّة السادسة قيل له لا تخلو من أن تكون في معنى البصرِ أو في غيرِ معنَاهُ على ما أَجبْنَا في مسألة البصرِ والزيادةُ فيه سواء. وقال بعده: فإن قال ما أنكرتُم أن يكون اللهُ عزَّ وجلَّ يُرى بالأبصارِ في دار المعاد؟ قيل لهُ أنكرنا ذلك لوجوهٍ، أحدها قوله: ?لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ? الآية، فهذه مَدحَةٌ امتَدَح اللهُ تعالى بها، فلا ينبغي أن تُنفَى عنه في وقتٍ من الأوقات، ولأنَّه تعالى عظَّم قولَ مَن سَأله ذلك فقال: ?فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَر مِنْ ذَالِكَ? [النساء:153] فعجل لهم العقوبة على ذلك. فلو كانت الرؤيةُ تجوزُ عليه جهرةً لمَا استعْظَم ذلك وعاقب عليه. فإن قال لتعجيلِهِم الرؤيَةَ في دار الدنيا، قِيلَ له: جاءَ الخبرُ بنفيِ الرؤيةِ على العمومِ في الدنيا والآخرة أيضًا، فإنَّ العقولَ تقتضي أن لا يُدرَك بالبصر في الدنيا والآخرة ولا بشيءٍ من الحواس لأنَّ كلَّ شيءٍ أُدرِكَ جهرةً لا يخلو أن يُدرَكَ كُلُّه أو بعضُه، ففي تناقُضِ الوصفِ له بالكُلِّ أو البعض ما يدُلُّ على أنَّه لا يُدرَكُ جهرةً. وأيضًا لو جاز أن يُدرَك جهرةً كان المُدرِكُ له لا يعدو منزلتين: إمَّا أن يُدرِكَه في كلِّ مكانٍ أو في مكانٍ دون مكانٍ، وإدراكُ الخلقِ له في كلِّ مكانٍ يستحيلُ، وذلك أنَّه ليس في خلقهم إدراكٌ للأشياء في جميعِ الأمكنةِ في حالةٍ واحدة، لأنَّ الخلق لا يُدركون إلاَّ ما لاقى أبصارَهم وحاذَى حواسَّهم، وذلك أنَّهم محجُوبُون بخلقتهم عن إدراكِ ما وراءهم. ولو كان الخلقُ يُدركونه في مكانٍ دون مكانٍ فالحاسَّة إنَّما وقعت على شيءٍ دون شيءٍ فلا وجهَ لتبعيضِ الشيءِ لإدراكه في بعض أماكنه التي هو فيها دون بعضٍ، فمن كان في هكذا فهو متُجزِّئٌ متبعِّضٌ، تعالى اللهُ عن جميعِ ما وَصفُوه به عُلُوًّا كبيرًا.
قولُه: ?جَعَلَهُ دَكًّا … ? [الأعراف:143] أي مدكُوكًا مُفتَّتًا، والدَّكُّ والدقُّ أخوان، وقُرئ» دَكَاءً «أي أرضًا مُستويةً ومنهُ ناقةٌ دكَّاءُ التي لا سنامَ لها، وقُرئ» دُكًّا «أي قطعا جمع دكاء.
قولُه: «?وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا?»؛ أي مَغشيًّا عليهِ من هَولِ ما رآى.
قولُه: «?تُبْتُ إِلَيْكَ?»؛ مِن مسألتي أي من الجرأةِ والإقدامِ على السؤالِ بغير إذنٍ.