الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٥٨?وَلاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ? و?لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ? في جميع ما أخبَر به عن نفسِه أنَّه يعلمُه بقوله: ?وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا َّلأَسْمَعَهُمْ? [الأنفال:23] بقوله: ?حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ? [محمَّد:31] في أمثالها فيكونُ على هذا الوجهِ لا يعلمُ شيئًا ممَّا يكونُ حتَّى يكون.
فإن قالوا: إنَّ في هذا وصفًا لله بالجهلِ واستحداثِ العلمِ، وذلك من صفات المُحدَثِ المخلوق، تعالى الله عن ذلك، قلنا وكذلك الوصفُ له بأنَّه يُرى بالأبصار ويُدرَكُ بالعَيَان وصفٌ له بأنَّه لونٌ من الألوانِ المركَّبة في الأجسام المُحدَثة في مكانٍ دون مكانٍ، وذلك من صفاتِ المُحدَث المخلوق، تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا. والظاهر أنَّ في أثناءِ كلامه سقطًا أو تحريفًا فليُراجع، والله أعلم. وأمَّا قولُهُم إنَّهُ يُرى بلا كيف فهو تستُّرٌ بالمُحال، وإخراجٌ للبصرِ عمَّا طبَعَهُ اللهُ عليه، فالإدراكُ الذي لا كيفَ معهُ لا يُسمَّى إدراكًا بالبصرِ، وإنَّما هو علمٌ في حقِّ الله تعالى بحقيقةِ المعرفةِ. وقال في شرحِ النونيَّة أيضًا: فإن قال قائلٌ ما تُنكِرُون أن يكونَ اللهُ عزَّ وجلَّ يزيد في أبصارِ أوليَائِه من القُوَّة ما يُدرِكوُنه بها في الأخرة؟ قلنا له: لا تخلُو هذه الزيادةُ من أن تكُونَ مُخرجةً للأبصارِ عن معانيها، فتعُودُ حينئذٍ غير أبصارٍ، فإذا خرجَت الأبصارُ عن معانيها بَطُل عنها أن تكُون تَرى وتُبصر. أو تكون القوة الزائدُة غير مُخرِجةٍ للأبصار عن معانيها، فإذا كانت كذلك فالأبصارُ لو قَوِيت بكلِّ قوَّة فهي مطبوعةٌ لا تُدرِك إلاَّ لونًا من الألوان، وشخصًا من الأشخاص؛ ألا ترى أنَّ الأسدَ إنَّما كان يَرى ويُبصر في الليل مالا يرى غيرُه من الحيوان لقوَّة بصرِه وشدَّة نظرِه، وكذلك النارُ لو زادت حرارتهُا لا تُخرِجها تلك الزيادةُ عن أن تكون مُحرِقةً، وكذلك الثلجُ لو زاد برودةً وجمودةً لا تُخرِجه تلك الزيادةُ عن معنى ما هو فيه، وكذلك كلُّ خلقٍ طبعَهُ اللهُ على ما هو فيه لو زاد في معناه ما عسى أن يزيده، لمَا أخرجَتْهُ تلك الزيادةُ عن صِفَتِه التي هو لها، ولا تنقُلُه عن طبعِه الذي طُبع عليه، والقول في سائر الحواسِّ غير البصر كالقول في البصر.