حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٨٣

قولُه: «فقال: ?اِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا? [الإسراء:40]»؛ يعني التشبيهَ الذي ذلك ذكرُوا في كتبهم حديثًا صريحًا في التشبيه لا يكاد يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم. وقد ذكره في البخاري من طرقٍ متعدِّدة. وكذلك البغوي عند تفسيره قوله تعالى: ?يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ? بعد أن ذكر ما هو التأويل الحقُّ، حيث قال: ?يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ? قيل عن أمرٍ فظيع شديد. قال ابن عباس هو أشدُّ ساعةٍ في يوم القيامة. وقال سعيد بن جبير ?يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ? عن شدَّةِ الأمر، وقال ابن قتيبة: تقولُ العربُ للرجل إذا وقع في أمرٍ عظيمٍ يحتاج فيه إلى الجدِّ ومقاساة الشدَّة (شَمَّرَ عن سَاقِه). ويُقال إذا اشتدَّ الأمرُ في الحرب (كشَفَت الحربُ عن ساقٍ). ثم شرع في حديث الرؤية والتشبيهِ بما يطول ذكرُه، ومن جملتِه فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلاَّ من كان يعبُدُ الله من بَرٍّ وفاجِرٍ أتاهُم ربُّ العالمين في أدنَى صُورةٍ من التي رأوه فيها، قال: فماذا تنظُرُون؟ تَتبَعُ كلُّ أُمَّة ما كانت تعبُد، قالوا يا ربَّنا فارَقْنَا الناسَ في الدنيا أفْقَر ما كنَّا إليهم ولم نُصاحِبهم فيقول: أنا ربُّكُم فيقولُون نعوذُ بالله منكَ لا نُشركُ بالله شيئًا مرَّتين أو ثلاثًا، حتى إنَّ بعضهُم ليكاد أن ينقلِب، فيقولُ هل بينكُم وبينه آية تعرفُونه بها؟ فيقولون نعم، فيكشِفُ عن ساقٍ فلا يبقى من كان يسجدُ لله من تلقاءِ نفسه إلاَّ أُذِن له بالسُّجود، ولا يبقى من كان يسجد اتِّقاءً ورياءً إلاَّ جعل اللهُ ظهرَه طبقةً واحدة، كلَّما أرادَ أن يسجُد خرَّ على قفاهُ، ثم يرفعُون رؤوسَهم، وقد تحوَّل في صورتِه التي رأوه فيها أوَّل مرَّة، وقال: أنا ربُّكم فيقولُون أنت ربُّنا، ثم يُضْرَبُ الجسرُ على جهنَّم وتحلُّ الشفاعةُ، ويقولون: اللَّهمَّ سلَّم سِلِّم .. الخ. ما أطال فيه أي البخاري في صحيحه.

قولُه: «وإنَّما يعني يُكشَفُ عن الأمر الشديد» .. الخ؛ قال في شرح النونية: ومن ذلك قولُ الله عزَّ وجل ?يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ? أراد عن الأمرِ الشديد، لأنَّ سياقَ الآيةِ في الإنباء عن الأهوال يومَ القيامةِ وصعوبَةِ أحوالِها، وما يصيرُ إلى المجرمين من أنكالِها، لأنَّ العربَ تقولُ إذا جَدَّ الأمرُ في الحربِ استَعَرَت الصدُورُ

١٬٧٠٢ / ١٬٩٦٦