الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٩٠قولُه: «فإن سأل المسترشدُ عن تفسير الآي المتشابهات»؛ قال: سأل سائلٌ عن أهل التنبيه والفائدةِ عن إيضاح الآيِ المتشابهاتِ والدلالة على معانيها من قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ?عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوََى? [طه:05]، وقولِه: ?وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا? [الفجر:22]، وقولِه: ?يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ? [المائدة:64]، وقولِه ?لِمَا خَلَقْتُ بِيَدِيَّ? [ص:75] وما أشبَهَ ذلك من كتابِ الله الذي فسَّرناهُ فيما مضى من كتابنا بالرواية عن رسول الله صلَّ الله عليه وسلَّم والصحابة والتابعين بإحسان. فقال السائل: ما الدليلُ على صدقِ تفسيرِكم، وما الشهادةُ عليه من الكُتُب واللغة المعقولة، فإنَّما الله خاطبنا بما نعقل وإلاَّ فليس للمخاطبةِ عندنا معنى الاستواء واليد والعين وما أشبه ذلك، لا يجوز أن يكون إلاَّ على ما نعقل. قيل للسائل: إنَّ جميع ما سألتَ عنه متشابهٌ.
وقولُه: «لا يُدرَك علمه بظاهره ولا بنصِّه لأنَّ النصَّ واحدٌ والمعاني متباينةٌ فلا بدَّ من كشف معانيها وإيضاح سُبُلها، وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:» مَا مِنْ كَلِمَةٍ إِلاَّ وَلَهَا وَجْهَانِ فَاحْمِلُوا الْكَلاَمَ عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِهِ «. وقيل: لا يتفقَّه الرجل حتى يرى للقرآن وجوهًا. وقال الحسن: تعلَّم العربية وحسن العبارة. وقال: ليس من كلمة إلاَّ ولها وجهٌ وقفا وظهرٌ وبطنٌ، وإنَّما معنى ذلك عندنا الكلامُ المتشابه»؛ قولُه: لا يُدرك علمُه بظاهره ولا بنصه، الظاهرُ ما احتَمَلَ أمرينِ أحدُهما أظهرُ من الآخر. كذا قيلَ ولكنَّ الظاهرَ في الحقيقةِ هو الاحتمالُ الراجح، مثاله الأسدُ في قولك (رأيتُ أسدًا)؛ فإنَّه يحتملُ الحيوانَ المفترسَ والرجُلَ الشجاع، لكنَّه ظاهرٌ في الحيوانِ المفترسِ لأنَّه المعنى الحقيقي ولا قرينة تصرِفُ عنه، فإن استُعمِل في المعنى المجازي بقرينةٍ كان مُؤوَّلاً ولا يُسمَّى ظاهرًا بالدليلِ وهو من قبيلِ المجازِ. والنص ما دلَّ على معنى قطعًا ولا يحتمل غيرَه كقولِه تعالى: ?فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فيِ الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ اِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ? [البقرة:196] فهذا لا يحتملُ ما زادَ على العشرةِ، فمعنى كلامِه رحمه الله أنَّ الآيات المتشابهات لا يُفهَمُ معناها بالظاهر ولا بالنص، وإنَّما يُفهَم بالتأويل أعني الدليل، وهو قرينةُ الاستحالةِ، ويُسمَّى ظاهرًا بالدليلِ كما في قوله تعالى: ?والسَّمَاءُ بَنَيْنَاهَا بَأَيْدٍ? [الذاريات:47]، فإنَّ ظاهرَه جمعُ يدٍ ويدُ