حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٩١

الجارحةِ محالةٌ في حقِّ الله تعالى، فصُرِفَت إلى معنى القوَّة بالبرهانِ العقليِّ، ومثلُ هذا يقالُ في جميع ما تعلَّقت به المشبِّهة من الوجه والعين والاستواء وغير ذلك، فإنَّه يُصرف بالدليل العقلي إلى ما يليقُ به ممَّا وردت به اللغة كما تقدَّم، والله أعلم.

قولُه: «لن يتفقَّه الرجل حتى يرى للقرآن وجوهًا»؛ الروايةُ في القناطِر: لن يتفَقَّه أحدُكم كلَّ الفِقه حتَّى يرى للقرآنِ وجوهًا كثيرة. ورَدَّ به قولُ من زعم أنَّه لا يجوزُ التفسيرُ بالرأي مُطلقًا وأنَّه لا يجوز تأويلُ كلماتِ القرآنِ على خلافِ قولِ ابنِ عبَّاس وسائرِ المفسرين، وذهبوا إلى أنَّه كُفْرٌ. قال -رحمه الله - فاعلم أنَّ من زعم أنَّ لا معنى للقران إلاَّ ما ترجمهُ ظاهرُ التفسير فهو مُصيبٌ في الإخبارِ عن حَدِّ نفسِه، ولكنَّه مخطىءٌ في ردِّ كافَّة الخلقِ إلى درجتِه، بل الأخبارُ والآثارُ تدلُّ على أنَّ معانيَ القرآنِ متَّسِعةٌ لأربابِ الفهمِ. فذكر منها ما يطولُ ذِكرُه، ثم قال: فكلُّ هذا يدلُّ على أنَّ في فهم القرآن مجالاً متََّسعًا، وأنَّ المنقولَ من ظاهرِ التفسير ليس منتهى الإدراك. وأمَّا نهيُه عليه السلام عن تفسير القرآن بالرأي وقولُ أبي بكر رضي الله عنه» أيُّ أرضٍ تُقلُّني وأيُّ سماءٍ تُظلُّني إن أنا فسَّرت القرآن برأي «إلى غير ذلك ممَّا ورد في الآثار والأخبارِ في النهي عن تفسيرِ القرآن بالرأي فإنَّهُ لا يخلو أن يكونَ المراد به الاقتصارُ على النقلِ المسموعِ دون الاستنباط والتفهُّم، والمرادُ به أمرٌ آخر فمُحالٌ قطعًا أن يُراد به أن يتكلَّم أحدٌ في القرآن إلاَّ بما سمعه لوجوه: أحدها: يشترط أن يكون مسموعًا من النبي مُسندًا إليه. وذلك لا يُوجد إلاَّ في بعض القرآن. فأمَّا تفسيرُ ابنِ عبَّاسٍ وابن مسعود من قِبَل أنفسهم فلا ينبغي أن يُقبَل منهم، ويُقال هو تفسيرٌ بالرأي لأنَّهم لم يسمعُوه من النبي عليه السلام، وكذلك غيرُهم من الصحابة والمفسرين.

الثاني: أنَّ الفقهاء من الصحابة وغيِرهم من المفسرين قد قالوا في تفسير الآياتِ بأقاويلَ مختلفةٍ لا يمكن الجمع بينها فمُحالٌ أن تكون كلُّها من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ولو صحَّ في واحدٍ لبطل الباقي، فصحَّ أنَّ كلَّ مفسِّرٍ قال بما ظهر له.

١٬٧١٠ / ١٬٩٦٦