حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٩٥

أقول: لا بدَّ من التأويل في الاستطاعة، وإلاَّ لكفروا، لأنَّ من شكَّ في صفةٍ من صفات الله فقد كفر. وقد أشار البيضاوي إلى تأويلها حيث قال: قيل: هذه الاستطاعة على ما تقتضيه الحكمة والإرادة لا على ما تقتضيه القدرة. وقيل: المعنى ?هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ? هل يجيبُك، واستطاع بمعنى أطاع كاستجاب وأجاب، وقرأ الكسائي ?هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ? أي سؤوال ربِّك. والمعنى تسأله ذلك من غير صارف. والمائدة الخوان إذا كان عليه الطعام من مادَ الماء إذا تحرَّك أو من ماده إذا أعطاه كأنَّها تميد من تقديم. إلى قال: رُوي أنَّها نزلت صفرة حمراء بين غمامتين، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى عليه الصلاة والسلام، وقال: اللَّهُمَّ اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمةً ولا تجعلها مُثلَةً وعقوبة. ثمَّ قام فتوضَّأ وصلَّى وبكى ثُمَّ كشفَ المنديلَ وقال: بِسْمِ اللهِ خَيرِ الرَّازِقِينَ، فإذا سمكةٌ بلا فلوسٍ ولا شوكٍ تسيلُ دسمًا، وعند رأسها ملحٌ، وعند ذنبِها خلٌّ، وحولها من ألوانِ البقولِ ما خلا الكُراث، وإذا خمسةُ أرغفةٍ على واحدٍ منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قدِّيد. فقال شمعون: يا روح الله أمِن طعامِ الدنيا أم من طعامِ الآخرة؟ فقال: ليس منهُما ولكن اخترعه بقُدرَتِه، كلُوا ما سألتم واشكروا يُمدِدكم الله ويزدكُم من فضلِه. فقالوا: يا روحَ الله لو أريتَنا من هذه الآية آيةً أخرى، فقال: يا سمكةُ احْيِ بإذن الله، فاضطَربت. ثم قال لها: عُودي كما كُنتِ فعادت مشويَّة، ثم طارت المائدة ثم عَصَوا بعدها فمُسِخوا. وقيل: كانت تأتيهم أربعين يومًا غبا يجتمع إليها الفقراءُ والأغنياءُ والصغار والكبار يأكلون حتى إذا أفاءَ الفيءُ طارت وهم ينظرون في ظلِّها، ولم يأكل منها فقيرٌ إلاَّ غنِي مدَّة عُمرِه، ولا مريضٌ إلاَّ برىءَ ولم يمرض أبدًا.

ثم أوحى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام أن اجعَل مائدتي في الفقراء والمرضى دون الأغنياءِ والأصحاءِ، فاضطَرب الناسُ لذلك، فمُسِخ منهم ثلاثة وثمانون رجلاً. وقيل لمَّا وعد الله سبحانه إنزالها بهذه الشريطة استعفوا، وقالوا: لا نريد، فلم تنزل.

١٬٧١٤ / ١٬٩٦٦