حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٤٧

وأمَّا الكذبُ في الحديث فحكى ابن التين عن مالك أنَّه سُئل عن من جرَّب عليه كذب، فقال: أيُّ نوعٍ من الكذب؟ لعلَّه حدَّث عن عبش له سلف فبالغ في وصفه، فهذا لا يضرُّ وإنَّما يضرُّ من حدَّث عن الأشياء بخلافِ ما هي عليه قاصدًا للكذب .. الخ. ومثلُه كلامُ الإيضاح حيث قال: وصفُه الكذب الذي ينقض الوضوء أن يُخبِر عن الشيء بخلاف ما هو به بإرادة منه لذلك من غير إكراهٍ، لكن بشرط أن يكون اعتقادُه موافقًا لظاهرِ قولِه، وذلك لأنَّ التقيَّة في ذوي الأرحام والجارِ والصاحِب جائزةٌ، ويظهر إليه الجميل والدعاء - إلى أن قال- والمعنى في ذلك لغيره .. الخ.

قولُه: «والمختلعة التي تفتدي بمالها» … الخ؛ يعني من غير عذرٍ. قال العلقميُّ في شرح الجامع: ”إنَّ المختلعات والمنتزعات“ … الخ يعني اللاتي يطلبن الخلعَ والطلاقَ من أزواجهنَّ من غير عذرٍ. يعني وأمَّا العذر فجائزٌ، وقد ورد به القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمُو أَن تَاخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ - إلى أن قال - ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا اَفْتَدَتْ بِهِ﴾ … الآية [البقرة:229]. وقد تقدَّم الكلامُ على أوَّل خلعٍ في الاسلام على يده صلَّى الله عليه وسلَّم، وبوَّبوا له في كتب الفقه بابًا واسعًا، وذكروا أنَّه لا يحلُّ للرجل أن يأخذ في الفداء على زوجته فيما بينه وبين الله أكثر ممَّا جعل لها. وله أن يحسب عليها جميع ما توقَّف عليه نكاحُها من هدية وصداقٍ عاجل وآجل كما هو مبيَّن في محلِّه. قال أبو زكريا رحمه الله: ولا يجوز الفداءُ إلاَّ بالنشوز، ومنهم من يُجيزه بنشوزٍ وبغير نشوز. أقول: والخلع الذي وقع في زمانه صلَّى الله عليه وسلَّم يدلُّ على أنَّه وقع من غير نشوزٍ، فإنَّ تلك الزوجة كانت عند زوجها من أحبِّ الناس إليه، ويُناسب القول الأوَّل قولُه في الديوان: وقد قيل إنَّه لا يقع الفداء بين الزوج والمرأة إلاَّ وقد كفر أحدُهما، والله أعلم.

١٬٧٦٣ / ١٬٩٦٦