حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٤٦

وكَتب ابن حجر على الحديث الأوَّل ما نصُّه: قيل ظاهرُه الحصرُ في الثلاث، فكيف جاءَ الحديث الآخر بلفظ ”أربعٌ من كنَّ فيه“ … الحديث؟. أجاب القرطبي: باحتمال أنَّه استجدَّ له صلَّى الله عليه وسلَّم من العلم بخصالِهم ما لم يكن عندَه إلى أن قال: على أنَّ في رواية مُسلم من طريق العلي بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ما يدلُّ على إرادة عدمِ الحصرِ، فإنَّ لفظه ”من علاماتِ النفاقِ ثلاثٌ“ إلى أن قال: وإذا حُمِل اللفظُ الأوَّل على هذا لم يرد السؤال، فيكون قد أخبر ببعضِ العلامات في وقتٍ وببعضها في وقت آخر. قال القرطبي أيضًا والنووي: مجموعُ الروايتين خمسُ خصالٍ لأنَّهما تواردتا على الكذبِ في الحديثِ، والخيانةِ في الأمانة، وزاد الأوَّل الخَلْفُ في الوعد، والثاني الغدرُ بعد المعاهدة، والفجورُ في الخصوم. إلى أن قال: ووجه الاقتصار على هذه العلامات الثلاثِ أنَّها منبِّهة على ما عداها، إذ أصلُ الديانة منحصرٌ في ثلاث: القولُ والفعلُ والنيَّة؛ فنبَّه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النيَّة بالخَلْفِ، لأنَّ خَلْفَ الوعد لا يقدح إلاَّ إذا كان العزمُ عليه مقارنا للوعد.

أمَّا لو كان عازمًا ثم عرض له مانعٌ أو بدا له رأيٌ فهذا لم يُوجد فيه صورةُ النفاق، قاله الغزالي في الإحياء، وفي الطبراني من حديث طويلٍ ما يشهدُ له. ففيه حديث سليمان إذا وعد وهو يحدِّث نفسه أن يخلف، وكذا قال في باقي الخصال، وإسناده لا بأس به، إلى أن قال: في حديثٍ آخر بلفظِ ”إذا وَعَدَ الرجل أخاه ومن نيَّتِه أن يفيَ له ولم يفِ فلا إثم عليه“.

قولُه: «وإذا وَعَدَ أخلَف»؛ قال ابن حجر: قال صاحب المحكم يُقال وعدتهُ خيرًا، ووعدتُه شرًّا، فإذا أسقطوا المفعول قالوا في الخير وعدتُه وفي الشرِّ أوعدتُه. وحكى ابن الأعرابي في نوادره: أوعدتُه خيرًا بالهمزة، فالمرادُ بالوعدِ في الحديث الوعدُ بالخير، وأمَّا الشرُّ فيستحب إخلافه وقد يجب ما لم يترتَّب على ترك إنفاذِه مفسدةٌ.

١٬٧٦٢ / ١٬٩٦٦