حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٢٠٥

قولُه: «ليست الشفاعةُ لأهل الكبائر من أمَّتي»؛ قال في شرح النونية: والدليلُ على أنَّ الشفاعةَ ليست لأهل الكبائر من القرآن والسنَّة، أمَّا من القرآن فقولُه تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ اِرْتَضَى﴾ [الإنبياء:28]، وقولُه: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنَ اَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ [طه:109]، وقال: ﴿لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَانِ عَهْدًا﴾ [مريم:87]، وقال: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَّلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:18]، وقال حكايةٍ عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:100،101]، وقالت الملائكة عليهم السلام: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر:7]، وقال: ﴿وَاخْشَوا يَوْمًا لاَ يُجْزَى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ﴾ [لقمان:33]، في أمثال هذا من القرآن، فأخبر أنَّه لا يجزي والدٌ أطاع الله عن وَلَدٍ ضيَّع أمر الله شيئًا ولا مولودٌ أطاع الله عن والِدٍ ضيَّع أمرالله شيئًا. ومن السنَّة ما رواه جابر بن زيد عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”لا تنال شفاعتي ظلومٌ غشومٌ ورجلٌ لا يراقب الله في اليتيم“، وقال عليه الصلاة والسلام: ”لا تنال شفاعتي الغالِيَ في الدين والجافيَ عنه“؛ يعني الزائد فيه والناقص منه، وقال: ”صنفانِ من أمَّتي لا تنالُهما شفاعتي: القدرية والمرجئة، وهما ملعونان على لسان سبعين نبيئا“ في مثال هذا من الأحاديث.

قولُه: «ثم يحلفُ جابر عند ذلك ما لأهل الكبائر شفاعةٌ» .. الخ؛ قال الشيخ إسماعيل رحمه وكان يقول: واللهِ ما شفاعةُ الملائكةِ والنبيِّين والمؤمنين إلاَّ للتائبين. وكان يقول: ما نالت دعوةُ مؤمنٍ منافقًا قطُّ. والشفاعة لمن استوجب العقاب فيصير بها إلى الثواب، ولكن الشفاعة للمؤمنين زيادةٌ لهم في الثواب وتشريفٌ في المنازل، وبالله التوفيق.

قولُه: «وقال إنَّكُم لتَعملون أعمالاً هي أدقُّ في أعيُنكُم من الشَّعْرِ» .. الخ؛ ذكر الشيخ إسماعيل رحمه الله في القناطر: من علامات علماء الآخرة أن يكون العالم شديد التوقِّي في مُحدثات الأمور، وإن اتَّفق عليها الجمهور فلا يغرُّه إطباق الخلق على ما أُحدِث بعد الصحابة، ولِيكُن حريصًا على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتِهِم وأعمالِهم .. إلى آخر ما أطال فيه ثم قال: وقد قال: حذيفة بن اليماني رحمه الله أعجَبُ من هذا أنَّ معروفَكُم اليوم مُنكَرٌ زمان قد مضى، وأنَّ مُنكَرَكُم اليومَ معروفُ زمان آت، وأنَّكم لا تزالون بخيرٍ ما عرفتم الحقَّ، وكان العالِمُ فيكم غير مستخِفٍّ. هذا في زمان حذيفة فما ظنُّك بزماننا هذا.

١٬٨٢١ / ١٬٩٦٦