الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٨٣وأنه وجد في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تقتلوا ستة: الضفادع فإن الذي تسمعون منها تسبيح وتقديس، وأن إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار، استَأذنت دواب البر والطير أن تُطفِئ النارعلى إبراهيم، فأذن الله للضفادع، فأزكت عليها، فذهب ثلثاها وبقي الثلث، فأبدل الله لها بحرارة النار برد الماء، ولا تقتلوا النمل إلى آخر ما تقدم، ولا تقتلوا النحل فإنها تضع لكم طيبا، ولا تقتلوا الهدهد فإنه أَحبَّ أن يُعبَد الله ُحيث لم يكن عُبِد، ولا تقتلوا الصُّرَد؛ فإنه كان دليل آدم عليه السلام من الجنة إلى الأرض أربعين سنة، ولا تقتلوا الخطّاف فإن دورانه الذي ترون جزع على بيت المقدس حين أُحرِق"، فشدد أصحابنا في قتل هذه الأجناس؛ حتى جعلوا الدية على قاتلها درهمين لكل واحد منها، وجعلوا في الضفدع نعجة بجزّتها، والله أعلم بهذا إن كان عن أثر أثروه أو عن نظر منهم رووه، انتهى. وقوله: في الضفادع "فأزكت"، هكذا فيما رأيته من النسخ، ولعله فَزَكأت، فيكون من قولهم: زَكَأَت الناقة بولدها، تزكأ زُكاء؛ إذا رَميَت به عند رجليها، فيكون معنى زكأت عليها؛ رمَت نفسها أي على النار، وقوله: "فذهب ثلثاها" ينظر هل المراد ثلثا أفرادها وبقي الثلث، أو المراد ثلثا بدن كل واحدة منها وبقي ثلث بدنها، ورده الله بعد ذلك إلى ما كان عليها وأبدلها بحرارة النار برد الماء، وهو الظاهر، والله أعلم، فليحرر.
والضفدع بوزن الخنصر، واحد الضفادع والأنثى ضفدعة، والناس يقولونه بفتح الدال وأنكره الخليل، انتهى من مختصر الصحاح، قال العلقمي: والهدهد نهي عن قتله لتحريم أكل لحمه، ولا منفعة في قتله، وكل ما نهي عن قتله من الحيوانات ولم يكن ذلك لحرمته ولا ضرر فيه كان النهي لتحريم أكله؛ كما في الصُّرَد (بضم الصاد المهملة وفتح الراء، جمعه صرِدان بكسر الراء)؛ وهو طائر فوق العصفور ضخم الرأس، والمنقار نصفه أبيض ونصفه أسود، وقيل: يؤكل لأن الشافعي أوجب فيه الجزاء على المحرم إذا قتله، وبه قال مالك،
وقال أبوبكر بن العربى: نهي عن قتله لأن العرب كانت تتشاءم به وبصوته، وقيل إنه أول طير صام عاشوراء، انتهى. وظاهر كلام القواعد أنه إنما نهي عن قتله لاحترامه، وكذلك غيره مما ذكر الحديث وهو الظاهر، ولكن النكت لا تتزاحم، والله أعلم.