الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٩٤ثم قال: واتفقت الروايات كلها على أنه يقول: "إني صائم"، فمنهم من ذكرها مرتين، ومنهم من اقتصر على واحدة، واختلف في المراد بقوله: "فليقل إني صائم"، هل يخاطب بها الذي يكلمه بذلك، أو يقولها في نفسه.
وبالثاني جزم المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة، ورجح النووي الأول في الأذكار.
وقال في شرح المهذب: كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى ولو جمعهما لكان حسنا، إلى أن قال:
وقال الرؤياني: "إن كان رمضان فليقل بلسانه وإن كان غيره فليقله في نفسه"، وادعى ابن العربي أن موضع الخلاف في التطوع وأما في الفرض فيقوله بلسانه قطعا، وأما تكرير قوله إني صائم فليتأكد الانزجار منه أو ممن يخاطبه بذلك، ونقل الزركشي أن المراد بقوله: "فليقل إني صائم مرتين"، يقوله مرة بقلبه ومرة بلسانه فيستفيد بقوله بقلبه كف لسانه عن خصمه، وبقوله بلسانه كف خصمه عنه، وتعقب بأن القول حقيقة باللسان، وأجيب بأنه لا يمنع المجاز، إلى أن قال: ولا يمكن حمل قاتله أو شاتمه على المفاعلة، لأن الصائم مأمور بأن يكف نفسه عن ذلك فكيف يقع ذلك منه، وإنما المعنى إذا جاءه متعرضا لمقاتلته أو مشاتمته، كأن بدأه بقتل أو شتم، اقتضت العادة أن يكافئه عليه، فالمراد بالمفاعلة إرادة غير الصائم ذلك من الصائم.
وقد تطلق المفاعلة على النهي لها، ولو وقع الفعل من واحد، وقد تقع المفاعلة بفعل الواحد، كما يقال عالج الأمر وعافاه الله، وأبعد من حمله على ظاهره فقال: المراد إن بدت من الصائم مقابلة الشتم، بشتم على مقتضى الطبع فينزجر عن ذلك ويقول: "إني صائم"، ومما يبعده قوله في الرواية الماضية: "فإن شتمه"، والله أعلم،