الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٦١ملئت طعما ومن قل طعامه قل شربه وخف نومه، ومن خف نومه ظهرت بركة عمره، ومن امتلأ بطنه كثر شربه، ومن كثر شربه ثقل نومه، ومن ثقل نومه محقت بركة عمره، فإذا اكتفى بدون الشبع حسن اغتذاه وبدنه، وصلح حال نفسه وقلبه، ومن امتلأ من الطعام ساء غذاء بدنه، وأشرت نفسه، وقسا قلبه.
وعن ابن عباس قال صلَّى الله عليه وسلَّم (إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع غدا في الآخرة)، ومن طريقه عليه السلام قال (طعام الاثنين كافي الثلاثة) الحديث.
قوله (طعام الاثنين كافي الثلاثة الحديث) تقدم الكلام عليه في الباب الذي قبله وإنما ذكر في البابين لمناسبة كل منهما: أما الأول فمن جهة الحث على الصدقة، فإنه خبر بمعنى الأمر على الراجح فكأنه قال أطعموا طعام الاثنين الثلاثة إلخ، وأما الثاني فمن جهة الإشارة. إلى أن من أدب الطعام التقليل منه والاجتماع عليه فإن البركة مع الاجتماع لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم (كلوا جميعا ولا تفرقوا فإن البركة في الجماعة) والله أعلم.
(أبو عبيدة عنه أيضا قال أضاف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ضيفا فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها حتى شرب حلاب سبعة شياه ثم إنه اصبح فأسلم فأمر له النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أخرى فلم يكملها فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (إن المؤمن ليأكل في معي واحد والكافر في سبعة أمعاء).
قوله (أضاف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ضيفا إلخ، لفظ الحديث في البخاري في بعض الروايات عن أبي هريرة (أن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا فأسلم فكان يأكل أكلا قليلا فذكر ذلك للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم فقال (إن المؤمن يأكل في معي واحد والكافر في سبعة أمعاء) انتهى، وذكر ابن العماد في كشف الأسرار أن الرجل اسمه جهجاه بن سعيد الغفاري كان يكثر الأكل في حال كفره فلما أسلم أقل الأكل فمدحه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم انتهى.
(أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال قالت عائشة كنت أشرب أنا ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالقدح فيجعل فاه على موضع فمي فيشرب وأنا حائض
قوله (فيجعل فاه على موضع فمي فيشرب وأنا حائض) فيه إشارة إلى طهارة سؤر الحائض، وأن ريقها طاهر، ومثل الحائض النفساء.
وأما ما تفعله نساء أهل زماننا من حكمهن بنجاسة سؤر النفساء ولو نظفن أيديهن بالغسل غاية النظافة، ودفنهن نوى التمر الذي أكلته النفساء في الأيام السبعة الأوائل فمن الغلو في الدين المنهي عنه ومن الاستظهار على الشارع بعد قوله صلَّى الله عليه وسلَّم لعائشة رضي الله عنها (ليست حيضتك بيدك) وقوله أيضا (المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا) وأي فرق بين الحيض والنفاس في جميع الأحكام، غاية ما يلزم في