حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٠٣

بأن هذا الاستثناء في حكم المتصل لاحتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم أراد أن يقول (إلا الإذخر) فشغله العباس بكلامه فوصل كلامه بكلام نفسه فقال إلا الإذخر، وقد قال مالك: يجوز الفصل مع إضمار للاستثناء متصلا بالمستثنى منه.

واختلفوا هل كان قوله صلى الله عليه وسلم (إلا الاذخر) باجتهاد أو وحي، وقيل: كان الله فوض له الحكم في هذه المسألة مطلقا، وقيل أوحي إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء من ذلك فأوجب سؤاله.

وقال الطبري: ساغ للعباس أن يستثني الإذخر لأنه احتمل عنده أن يكون المراد بتحريم مكة تحريم القتال دون ما ذكر من تحريم الاختلاء، فإنه من تحريم الرسول باجتهاده، فساغ له أن يسأله استثناء الإذخر، وهذا مبني على أن الرسول كان له أن يجتهد في الأحكام وليس ما قاله بلازم بل في تقريره صلى الله عليه وسلم للعباس على ذلك دليل على جواز تخصيص العام.

حكى ابن بطال عن المهلب أن الاستثناء هنا للضرورة كتحليل أكل الميتة عند الضرورة، وقد بين العباس ذلك بأن الإذخر لا غنى لأهل مكة عنه، إلى أن قال: قال ابن المنير: والحق أن سؤال العباس كان معنى الضراعة، وترخيص النبي صلى الله عليه وسلم كان تبليغا عن الله إما بطريق الإلهام أو بطريق الوحي، ومن ادعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متسع فقد وهم.

وفي الحديث بيان خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكر في الحديث، وجواز مراجعة العالم في المصالح الشرعية والمبادرة إلى ذلك في المجامع والمشاهد، وعظيم منزلة العباس عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنايته بأمر مكة لكونه كان بها أصله ومنشؤه إلخ.

٥٩٨ / ١٬٩٦٦