الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٣٤فتأخر ليشهد الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت فضل غدوتهم). والحاصل أن المراد تسهيل أمر الدنيا وتعظيم أمر الجهاد وأن من حصل له من الجنة قدر سوط يصير كأنه حصل له أعظم قدر من جميع ما في الدنيا، فكيف بمن حصل فيها أعلى الدرجات.
والنكتة في ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا فنبه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا انتهى.
(أبو عبيدة عن جابر قال: بلغني عن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين. قال: فاستدرت له حتى أتيته من خلفه فضربته بالسيف على حبل عاتقه حتى قطعت الدرع. قال: فأقبل علي وضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني ثم مضيت، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه) قال: فقلت: من يشهد لي؟ فجلست. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك أيضا. فقلت: من يشهد لي الثالثة، فقمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مالك يا أبا قتادة؟) فقصصت عليه القصة. فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلبه عندي فأرضه منه. فقال أبو بكر الصديق: لا والله لا يعمد أسد إلى أسد من أسود الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه. قال رسول الله (صدق فأعطه إياه) قال أبو قتادة فأعطانيه فبعت الدرع وابتعت منه مخرفا ثم سلمت وإنه لأول مال تأثلته في الإسلام. قال الربيع: المخرف بستان من نخل، وتأثلته اكتسبته).
قوله: (فلما التقينا كانت للمسلمين جولة) قال ابن حجر: بفتح الجيم وسكون الواو أي حركة فيها اختلاط الخ.
قوله: (فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين) قال ابن حجر: لم أقف على اسميهما، وقوله (علا) أي ظهر، قال: في رواية الليث التي بعدها (نظرت إلى رجل من المسلمين يقتل رجلا من المشركين وآخر من المشركين يختله) بفتح أوله وسكون الخاء وكسر المثناة أي يريد أن يأخذه على غرة. قال: وتبين من هذه الرواية أن الضمير في قوله (فضربته من ورائه) لهذا الثاني الذي كان يريد أن يختل المسلم انتهى.
أقول: وهذا بعيد من ظاهر هذه الرواية، فإن المتبادر منها أن المضروب هو الذي علا رجلا من المسلمين والله أعلم. قوله: (على حبل عاتقه) قال ابن حجر: حبل العاتق عصبه، والعاتق موضع الرداء من المنكب (فقطعت الدرع) أي التي كان لابسها.
قوله: (وجدت منها ريح الموت) أي من شدتها، وأشعر ذلك أن هذا المشرك كان شديد القوة جدا.
قوله: (فأرسلني) أي أطلقني.
قوله: (مضيت) قبله في رواية البخاري زيادة ولفظها (فأرسلني فلحقت عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله ثم رجعوا فجلس النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من قتل قتيلا).