الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٨٢وفيه جواز التسمية بأفلح.
ويؤخذ منه أن المستفتي إذا بادر بالتعليل قبل سماع الفتوى أنكر عليه، لقوله لها "تربت يمينك"؛ فإن فيه إشارة إلى أنه كان من حقها أن تسأل عن الحكم فقط ولا تعلل.
وألزم به بعضهم من أطلق من الحنفية القائلين أن الصحابي إذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا وصح عنه ثم صح عنه العمل بخلافه فإن العمل بما روى لا بما عمل؛ لأن عائشة صح عنها أن لا اعتبار بلبن الفحل، ذكره مالك في الموطأ وسعيد بن منصور في السنن، وأبو عبيدة في كتاب النكاح بإسناد صحيح؛ وأخذ الجمهور ومنهم الحنفية بخلاف ذلك وعملوا بروايتها في قصة أبي القعيس وحرموا بلبن الفحل، وكان يلزمهم على قاعدتهم أن يتبعوا عمل عائشة ويعرضوا عن روايتها.
ولوكان روى هذا الحكم غير عائشة لكان لهم معذرة؛ لكنه لم يروه غيرها وهو إلزام قوي؛ انتهى.
أقول: ونظير هذا ما ذكره صاحب الضياء رحمه الله عن أبي حنيفة فيما روي من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا قطع السارق فلا ضمان عليه"؛ وأفتى أبو هريرة فيما روي عنه أنه أوجب على السارق الضمان إذا قطع؛ فقال أبوحنيفة: أقبل خبره عن النبي صلى الله عليه وسلم بزوال الضمان، وأرد فتيا أبي هريرة بوجوب الضمان؛ ثم ذكر أيضا عن أبي حنيفة عكس هذا، حيث قال: وروى أيضا أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فليغسل سبع مرات أولاهن بالتراب"؛ وأفتى أبو هريرة بغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات.
قال أبو حنيفة: أقبل فتياه، وأجعله دليلا على حفظه نسخ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يكون أن يفتي بغير ما حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ما هو سنة عنه صلى الله عليه وسلم.