حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٩٢

آباء إلى آخره كما هو معلوم؛ وذلك أن الله تعالى أجرى العادة في الغالب أنه يخلق هذه العلل عند مباشرة أصحابها وقد لا يخلق، ولله خرق العوائد، ولكن أخذ الحذر واجب، وليس للعباد أن يختبروا ربهم، والله أعلم.

قوله: «كان أهل الجاهلية يقولون إذا مات الإنسان خرجت من رأسه هامة وهي التي تقتله». ظاهره أن أهل الجاهلية يعتقدون هذا في كل ميت، والذي في الصحاح وغيره أن الهامة إنما هي في القتيل فقط حيث قال: الهامة الرأس، والجمع هام، وهامة القوم رئيسهم، والهامة من طير الليل وهو الصدي، والجمع هام، إلى أن قال: وكانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة فتزقو وتقول: (اسقوني اسقوني) فإذا أدرك بثأره طارت، وهذا المعنى أراد الشاعر بقوله:

ومنا الذي أبكي صدي ابن مالك … ونفر طيرا عن جعادة وقعا

يقال: قتل قاتله فنفرت الطير عن قبره إلى آخره.

قال ابن هشام في شرح بانت سعاد عند قوله:

فما تدوم على حال تكون بها … كما تلون في أثوابها الغول

بعد كلام ما نصه: وللعرب أمور تزعمها، لا حقيقة لها، منها: أن الغول تتراءى في الفلوات وتتلون لهم وتضلهم عن الطريق، ومنها الهديل: زعموا أنه فرخ كان في عهد نوح عليه الصلاة والسلام فصاده بعض الجوارح، وأن جميع الحمام تبكيه إلى يوم القيامة، إلى أن قال: ومنها الصفر: زعموا أنه حية في جوف الإنسان تعض عند الجوع شراسيفه وهي أطراف الأضلاع التي تشرف على البطن، إلى أن قال: ومنها الهامة: زعموا أنها طائر يخرج من رأس المقتول فيصيح: (اسقوني فإني عطشان) إلى أن يؤخذ بثأره، إلى أن قال: ومنها النوء: وهو أن يسقط نجم من منازل القمر الثمانية والعشرين من المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع في تلك الساعة آخر مقابله من المشرق فيأتي المطر، وأمور أخرى من الخرافات لا حقيقة لشيء منها، ففي الحديث: "لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر"، وفي حديث آخر: "لا طيرة ولا نوء ولا غول"، رواهما مسلم، وقال بعض الشعراء:

الجود والغول والعنقاء ثالثة … ... أسماء أشياء لم تخلق ولم تكن

٩٢ / ١٬٩٦٦